ومنهم: السيد الإمام أشرف بن زيد الحسني، القائم بجيلان، المدفون بتجن من ناحية جيلان نوَّر الله ضريحه أمر بقتل من رُئي ملحداً اختياراً وهدنة وتنهب أمواله وإحراق دوره.
فهؤلاء الذين سميناهم الأئمة السابقون الذين لم يختلف أحد من الزيدية في أيامهم في صحة إمامتهم عليهم السلام فهذه فتواهم وهم قاسمية، وناصرية، ويحيوية على ما قدمنا من إجراء حكم الكفار على من هادن الكفار وأنس بهم حتى يراهم هدنة وسلماً، والمساكن لهم والنازل في دارهم أشد تمكناً من هذا، وهؤلاء عيون مرضيون، ولم يطالب أحد من أهل العلم القاسم بن إبراهيم بأن يخبره من قال بمثل قوله في الفساق، وكذلك واصل بن عطاء في المنزلة بين المنزلتين، ولا قيل لهم: هاتوا نصًّا يحتمل التأويل من الكتاب أو السنة المعلومة، وإنما يقال في المسائل: ما الوجه في هذا؟ ما الدليل عليه؟ ولم نتمكن من الاستقصاء، وإن كان السائل قد عوَّل في التوسيع، ولكن الجواب ما قال الهادي عليه السلام: ويح الشجي من الخلي. علم الله وكفى به عليماً، لقد تركنا في حال الاشتغال شطر هذه المسألة من الإجابة شيئاً نخشى الله في تركها.
فأما الأئمة المقتصدون والعلماء المحصلّون فهم الأتباع جملة، وإنما نذكر منهم عيونهم، ومن ذكره يوسف بن أبي الحسن الجيلاني رحمه الله في جوابه للقاضي أبي مُضر، تأكيداً في مقابله، هل بهذا القول قائل؟ وإن كان به قائل فليذكر.
فمنهم: السيد الإمام الداعي الأعرج الجيلاني رحمه الله وكان قد بلغ في العلم والاستقامه في الدين مبلغاً فائقاً لا ينضبط حصره.(1/737)
ومنهم: السيد الإمام الناصر الرضي، وكان من أولاد الناصر عليه السلام وله تصانيف في إحياء مذاهب أهل البيت عليهم السلام وكان زاهداً خشناً، بلغ مبلغاً في الورع والكمال ما لا يقادر قدره، وكان مستوطناً في جيلان، وأمره هناك مشهور.
ومنهم: السيد الإمام أبو هاشم الديلمي التنهجاني رحمه الله استشهد بأيدي الملاحدة لعنهم الله وقاتلهم.
ومنهم: أبو حرب الجيلاني، والسيد الهادي الناصر رحمهم الله الهادي اسمه والناصر لقبه، قال يوسف الجيلاني رحمه الله: ولو حصرت أسماء جميعهم لبلغت عدداً جماً.(1/738)
فأما العلماء الرساتقة قدَّس الله أرواحهم في جيلان، وديلمان، فمنهم: الفقيه الإمام أحمد بن داعي الديلمي التنهجاني رحمه الله وهو المعروف بدانشي وله تصنيف في ذلك سماه [كتاب] (الحجج و البرهان)، والفقيه الإمام شهردار التنهجي، والفقيه الإمام أبو الرضى الجيلاني رحمه الله والفقيه أبو منصور العالم الشيخ الفاضل، والفقيه زعيم الناصرية أبو يوسف بن علي جمال الدين الجيلاني، ووالد الفقيه أبي منصور علي بن أصفهان الديلمي الجيلاني، المهاجر لسبب العمل بهذه المسألة من الديلم إلى جيلان، ولما كانت المطرفيَّة المرتدَّة الشقيَّة، الضالة الغويَّة، تعصد كما قالت العوام على ريح السمن، وعلموا أن من مذهب الزيدية والبناء على أصول أيمتها وجوب الهجرة زادوا في ذلك، وشدَّدوا، وسوَّدوا، ورمدوا، وأوجبوا الهجرة من دار الهجرة إليهم لا لغرض سوى درس علومهم الردية، من فكرهم الفاسدة الدوية، وليسوا بعمدة، وإنما ذكرنا هذا [تنبيهاً] على ظاهر مقالة أهل النحلة وجرثومتهم وأسّهم، وإن كان الحجاز واليمن، فقد صار الحجاز واليمن عيالاً على الديلم وخراسان، والعلوم التي كانت (في تلك) الجهة استطعم سماعها من تلك الديار ولم يختلفوا فيما ذكرنا، والدين لا يخاف عليه الكافر، فكفره ولو ظهر وقهر فإنه لا يقدح في الدين، والعالم هو قوام الدين وأسّه، وإنما يؤتى الناس ممن يعتقد أنه يفهم ولا يفهم، فهو آفة على الدين وأهله؛ كما تكون الآفات في الأجساد والثمار، ولا يدري أن وراء معرفته لأهل العلم مسلكاً، ولا لما جاء به مما سبق إلى فهمه لأهل الحقائق متركاً، فداؤه عضال، وحفظه(1/739)
إهمال.
وأما ما ذكره أيده الله تعالى من أن قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا?[الأنفال:72]، فسماهم مؤمنين مع أنهم لم يهاجروا، بل أقاموا في دار الحرب، ونهى عزّ وجلّ عن ولايتهم على حسب الخلاف بين أهل العلم من المفسرين، هل هي الوراثة أم غيرها؟
قال أيده الله تعالى: وأوجب عزّ وجلّ نصرتهم إلا على قوم بيننا وبينهم ميثاق.
قال: والمفهوم من هذه الآية أنها نزلت في قوم مؤمنين بين كفار؛ إذ لو كانت الدار التي هم فيها قد أسلم أهلها كلهم لم تجب عليهم الهجرة، ومن أي شيء يهاجروا إذا كانت الدار كلها قد أسلم أهلها، فلم يبق إلا أنها نزلت في كفار بين مسلمين مؤمنين، فسماهم تعالى مؤمنين، ونهى عن ولايتهم.
الجواب: إن هذه الآية التي ذكر هي شافعة لما تقدَّم مما قلناه آنفاً، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بحقيقة الإيمان في تلك الحال، وهو أن المهاجرين والأنصار رحمة الله عليهم بعضهم أولياء بعض، والولاية تدخل تحتها الإرث والتولي فيلزم الموالاة بعضهم لبعض، والولاء والبراء من أصول الدين العظيمة، وهو ما شرحه الأئمة وذكروه بما هو موجود في كتبهم عليهم السلام.
?وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ?[الأنفال:72].(1/740)
قال أيده الله تعالى: فسماهم مؤمنين مع أنهم لم يهاجروا بل أقاموا في دار الحرب، وهذا شافع للأول؛ لأن الله تعالى حكى حكم من آمن إيماناً لغوياً، معناه: أقرَّ وصدَّق فهذا في اللغة فإنه لا حقيقة لإيمانه في الشرع، فذكر الإيمان الشرعي وهو المتقدم، والإيمان اللغوي وهو المتأخر، كما ذكر في الإيمان والإسلام، ومعناهما عندنا في الشرع واحد؛ لأناَّ نعلم أن المؤمنين حقيقة بعضهم أولياء بعض وقد نطق بذلك القرآن، ولا يجوز شرعاً أن يقول المؤمن للمؤمن: لست وليي إلا على ضرب من التأويل، وإنما ولا يجوز أن يخرجه عن باب الموالاة.(1/741)