وأما (السنة المقطوعة) فإنما يجب اعتبارها في الأصول الخمسة، والمنزلة بين المنزلتين على عظم الأمر فيها وكونها من الأصول لم يوجد فيها ذلك، وهذا الشرط في باب الأئمة مثل التحكّم في باب الأنبياء والمعجزات، وإن كانت مصالح فلا بدَّ من ظهور الدليل، وقد ظهر بغير ما عيَّن في السؤال فكذلك يكفي في الاستدلال ما يكون دليلاً شرعياً، وإن لم يكن مما سأله السائل بعينه، وقال سبحانه: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ?[التوبة:23]، وهذه الولاية ليست الحب بالقلب فهو فعل الله تعالى، وإنما الاتباع والمعاشرة، الذي ينبي ظاهرها عن المساعدة، وقد قال العباس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: إنما خرجت كارهاً أنا وبنو هاشم، وكان صادقاً، وقد علم ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل قول العباس، وقال لأصحابه: ((من لقيتم من بني هاشم فلا تقتلوه فإنما أخرجوا كارهين))، والقصة فيها طول ذكره ابن هشام، والواحدي، ونحن نرويه مسنداً، فلما حاول العباس رحمه الله إسقاط الفداء بذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أما ظاهر أمركم فكان علينا))، فأثبت حكم الظاهر وإن كان المعلوم خلافه، وعمله صلى الله عليه وآله وسلم شرع يجب اتباعه، ومن يكون في دار الحرب فهو تابع لهم بالضرورة لتعذر امتناعه عنهم لعدم الشوكة.(1/732)


وأما ما ذكر أيده الله تعالى: هل يؤخذ في هذه المسألة بأخبار الآحاد وبالقياس والاجتهاد أم لا؟
والجواب: إن العمل في ذلك بأخبار الآحاد وبالقياس ثابت لا شكَّ فيه، والقياس أصل قوي من أصول الشرع، واستعمل في أصول كثيرة من مسائل الربا، وبه ثبت حدّ الشارب للخمر قياساً على القذف.
وأما أخبار الآحاد فهل قتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتل وأخذ من أخذ إلا بأخبار الآحاد، وحتى بانت خيانة بعضهم وهمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزو القوم الذي حكى الوليد بن عقبة كفرهم حتى أخبر الله تعالى بكذبه وفسقه، ولولا كذبه لنفذ الأمر فيهم، وجاز القتل لهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يهمُّ إلا بالجائز.
وأما الاجتهاد فليس له مجال في هذا الباب؛ لأنه لا يرجع إلى أصل معين، ولهذه الجملة موضع غير هذا.
قال أيده الله تعالى: وإذا كان الكافر كافراً بمجرد سكناه، فهل بهذه المسألة قائل من الأمة أم لا؟ فإن كان بها قائل فلا غنى عن ذكره؟
الجواب: إني أقول بهذه المسألة، والقاسم بن إبراهيم عليه السلام يقول بها قولاً صريحاً، وجعل حكم المساكن للفاسقين حكمهم في الفسق، ومنع من الصلاة عليه شرعاً وإن كان مسلماً قبل ذلك، صرّح بذلك في (تحرير الأصول) وهو عندنا موجود، وقد عاينه كثير من الإخوان ومن لا يحصر من علماء الزيدية.(1/733)


أما جدودنا وسلفنا عليهم السلام فذلك ظاهر من قولهم: وجوب الاعتزال من الفاسقين، وأقرب أهل الوقت إلينا ممن هو قدوة للمسلمين شيخا آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدس الله روح ميتهما، وطول عمر باقيهما في طاعته فاسألوهما: ما موجب خروجهما من أحبِّ الأرض إليهما، وسكناهما في أكره الأرض إلى الناس [إلا] فراراً من النار، ولم نعلم قبل تعلق جوابنا بأكثر مذهب الاعتزال أحداً من الزيديه ينازع في ذلك.
ولما ظهرت مسألة القاضي عماد الدين أبي مضر المؤيدي نفعنا الله بصالح عمله في أنه يجوز مهادنة الباطنية ولقاهم صلحاً والسكون معهم بحيث لهم أمر نافذ، فذكريوسف بن أبي الحسن الجيلاني رحمه الله وكان علاَّمة العصابة الزيدية في جميع الأقطار الخراسانية والديلمية والجيلانية، والحافظ لعلوم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أجمعين، فقال ما مثاله:(1/734)


اعلم أن الذي ذكر هذا القاضي من ذكر جواز الصلح مع الملاحدة هو غلط عظيم، وتوهين لأمر الدين؛ لأنهم دَمَّرهم الله تعالى يحرصون على ذلك لما فيه من الظفر ببغيتهم من المسلمين، ولما هيئوا من الإلزامات والشبهات والإشكالات والإيهامات التي إذا أوردوها على المسلمين لم يكد يفكّها إلا المتبحّر في أصول الدين، فقد حسم داءهم علماء أهل الشرع المبين، وأوهنوا أمرهم بتحريم المصالحة لهم، فذبل عود حيلهم في صدورهم وخابت آمالهم، وكذبت ظنونهم أتعسهم الله تعالى وشدَّد في ذلك علماء أهل البيت عليهم السلام السابقون منهم، والمقتصدون أفتوا بتحريم مصالحتهم، والرؤية لهم مواجهة على طريق الهدنة، والدخول في ديارهم، وغلَّظوا القول في ذلك وشددوا، شدد الله وطأتهم، وأنار برهانهم .
فمن السابقين: السيد الإمام أبو الرضى المدفون بأسفجين من ناحية ديلمان، وكان قيامه قبل المؤيد بالله عليه السلام وقرأ السيد أبو طالب عليه السلام كتاب (الأحكام) للهادي عليه السلام وكان محيي علوم القاسمية قدَّس الله أرواحهم وذلك الفتوى كان مشهوراً بناحية ديلمان على عهد خروج (م) بالله قدس الله روحه.
ومنهم: الحسين بن محمد بن أحمد بن الناصر للحق عليه السلام الخارج بهوسم، محيي دين أبيه الناصر للحقِّ، وناعش دين الإسلام في أيامه.(1/735)


ومنهم: السيد الشهيد: الهادي إلى الحق ابن أبي الحسن الحقيني عليه السلام وبلغ تشدده في ذلك إلى أن قال: لما أخبرنا القاضي مروان الديلمي كاتب الملاحدة وراسلهم برقعة اتهموه بها، فغضب قدَّس الله روحه غضباً حمله على أن قال: اللهم، إنك تعلم أن يدي لا تبلغ إلى القاضي مروان، فإن كان هذا الذي رووه صدقاً فأحضره مجلسي هذا لأصلبه فيك ولك. فلم تمضِ أيام إلا قدر المسافة التي كانت بينه وبين القاضي مروان حتى حضر القاضي في مجلسه، فأعجل في صلبه وأعدمه الدنيا من ساعته، وكان عليه السلام محيياً لمذاهب القاسمية رضي الله عنهم.
ومنهم: السيد الإمام أبو الرضى عليه السلام كان بناحية جيلان في بلدة كيسم، وكان محيياً لعلوم الناصرية عمَّر الله آثارهم مجاهداً للبغاة والظلمة في إحياء دين الله، وكان فقيهاً بارعاً، مصنِّفاً في فقه أهل البيت عليهم السلام وسيره وطرايقه مستحسنة مشهورة، فجمع عليها في عصره كل أهل المعرفة.
ومنهم: السيد أبو طالب الأخير عليه السلام الذي كان المحسن بن حسن رحمه الله داعياً له، وهو من أولاد المؤيد بالله عليه السلام وأطبق العلماء كافة على إمامته بعد أن اجتمع إليه خلق منهم وناظروه شهراً فبهرهم علمه وغطاهم فهمه، وكان قدَّس الله روحه محيياً لدين آبائه قدس الله أرواحهم وبلغ تشدده في هذا الشأن إلى أن أمر بقتل سبعة نفر كان أحدهم رأى ملحداً صلحاً، فلم يمكن تميزه في ما بين السبعة لا يشتبه وردَّ عليهم، فسئل عن ذلك، فقال القايل: والستة المقتولون في الجنة والواحد في النار.(1/736)

147 / 170
ع
En
A+
A-