ولا بدَّ لنا أن نذكر طرفاً من القصة لنعرف معاني الحكمة، لما كان من عامر بن الطفيل لعنه الله في أهل بئر معونة ما كان، ولم يسلم منهم إلا عمرو بن أميّة الضمري، ورجل آخر أعتقه عامر عن نذر أمه في عتق نسمة، ولما رجع عمرو بن أميَّة لأنه كان في الركاب يرعاها فنجا لما رأى أصحابه قد أحيط بهم، فلقيه رجلان من بني عامر في ذمة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقتلهما، فوداهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرج إلى بني النضير ليستعينهم في الدية، قالوا: نعم، يا أبا القاسم نعينك، وهموا بإلقاء صخرة عليه، فجاءه العلم من السماء، فأعلم أصحابه ورجع المدينة فآذنهم بالحرب، واستعمل على المدينة وسار إليهم حتى نزل بهم في شهر ربيع الأول، فسألوه أن يخليهم ويكفَّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة فهي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فحملوا ما أقلّت الإبل وساروا إلى خيبر، يقدمهم أشرافهم: سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع، وحيي بن أخطب، فكانت أموالاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يجعلها حيث شاء، وهذا يؤيد ما قلنا، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المهاجرين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف، وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهامهما، وقد ذكر الله تعالى الجلاء (بغير إيجاف من خيل) ولا ركاب، فلعل المراد بذلك بعض حصونهم المتأخرة عن موضع الإباحة لئلا تتناقض الأحكام ولا سيما في القرآن، فالذي أباح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين هو فيء وغنيمة(1/727)
للمسلمين، وما أجلا عنه القوم فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وكل ذلك في بني النضير، وقد تضمنته سورة الحشر، فحكم الجلاء يرجع الأموال إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يفعل فيها ما شاء كما كان في فدك والعوالي، وحكم ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ما ذكره من القسمة بين المهاجرين الأولين دون الأنصار، على أن أيديهم كانت على القوم واحدة،و ظاهر الحكم يقضي بالمساواة، وهو قول الأمة أنه لا يعطي الفقير لأجل فقره، ويمنع الغني لأجل غناه، بل يستوي الغني والفقير متى أراد ولي الأمر القسمة، وقد يجوز أن يعطي ولي الأمر الغني ويدع الفقير كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم المؤلفة تألفهم بالغنيمة، فلولا أن المال له لم يجز ذلك إلا بالرضى، وقد ظهرت الكراهة في ذلك من الأكثر كما كان من استطابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفوسهم من الكلام بما هو مشهور، فقال: ((أما ترضون أن يروح الناس بالشاء والنعم وتروحوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )) وحتى قال حرقوص اللعين: ما عدلت منذ اليوم، فالأحكام تؤيد بعضها بعضاً، ولا يلتبس على أهل المعرفة.
والمعلوم أن قسمة بلاد بني النضير كما ذكرنا، وفيها ما أخذ بالحرب ومنها ما أجلا عنه القوم، وكانت قسمتها على بعض المسلمين دون البعض.
فأما قول عمر في أمر السواد واحتجاجه بالآية ولم ينكر عليه أحد، فالإنكار في أفعال الإمامة فرع على صحة الإمامة أو إنكارها، وقد كان الحال أوجب السكوت عن إنكار الإمامة وهي الأصل فكيف ينكر فروعها، وفروعها التصرف.(1/728)
فأما إقراره لأرض الخراج من القسمة فذلك جائز للإمام وهو يؤيد ما قلنا، فلو قسم لجاز، فلا تعلق للآية بذلك، ولو أراد الإمام المنّ بالبلاد على أربابها لجاز ذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل مكة، فإنه منَّ عليهم بنفوسهم وأولادهم ودورهم وأموالهم، وإن تركها في أيديهم على الخراج جاز كما فعل لأهل ناعم، والسلالم، والقموص، وإن قسم على الغانمين جاز كما فعل في الشق، والبطاقة، وهذا كله إذا تأمله أهل العلم يشهد لما قلناه بالصحة إن شاء الله تعالى ولكل شرع مُتّبع.
وسأل أيده الله: هل يجوز للمسلم السكنى في دار الحرب، أم لا يجوز، سواء كان يخاف على نفسه الفتنة أم لا يخاف؟(1/729)
الجواب: إنَّه لا يجوز للمسلم السكنى مع الكافرين، وفيه آثار جمة يكفي فيها ما روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أنا بريء من مؤمن سَكَن مع كافر))، ومن تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليس بمسلم اتفاقاً، وكذلك قوله في المسلم والكافر: ((لا ترأآ نارهما))، ووجوب الهجرة معلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيامه صلى الله عليه وآله وسلم فذهب علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتصريح القاسم وأولاده أكبر أن ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو للإمام من بعده، وأكثر المعتزلة يرى بذلك، وقد ذكر الحاكم في (تحكيم العقول) أنه إذا غلب في ظنّه أنه إذا انتقل كان أقرب إلى فعل الطاعة وترك المعصية وجب عليه الانتقال، وذكر القاسم بن إبراهيم عليه السلام في كتاب (التحرير) في أصول الدين أنها تجب الهجرة من دار الفاسقين، وأنه لا يصلّي على الميت فيها من يدَّعي الإسلام شرعاً، ومتى ساكن الفاسقين مختاراً كان فاسقاً، وإن ساكن الكافرين مختاراً كان كافراً، فالكافر يجوز سبيه، وليس حكم الكفر يسقطه كون الشخص المعين زيدياً.(1/730)
وأما الدليل عليه من آيات الكتاب فكثير، وإنما يستدل بالقليل ففيه كفاية، قال تعالى: ?فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي?[إبراهيم:36]، والمعلوم أن الواحد بل المائة والألف في بعض الأحوال لا بدَّ أن يكون تابعاً للكافرين، وقال تعالى: ?وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ?[المائدة:51]، ولا بدَّ من توليه لهم وذلك يعلم بالاضطرار؛ لأنه لا يتمكّن من التبري منهم بل هو نازل على حكمهم.
ويجوز للإمام والعالم سكنى دار الكفر متى كان متمكّناً من الدعاء إلى الله تعالى، وإلزامهم الحجة سراً وجهراً، ولا يجوز ذلك لغيرهم ولا لأعراض الدنيا.
وأما أهل صنعاء فنحن مننا عليهم باسم الزيدية وذلك جائز لنا. أعني المن.
وأما سؤاله أيده الله تعالى عن دليل لا يلحقه التأويل فذلك لا يدخل تحت إمكاننا في هذه المسألة، ولا فيما هو أقوى منها من العقليات، بل كل دليل يلحقه التأويل ويمكن فيه الاعتراض حتى دليل الممانعة اعترض وهو من رب العالمين، فأما الأدلة الشرعية فلا بدّ من إيرادها، وقد كانت.(1/731)