والكلام فيه: إن الآيتين كل آية قائمة بنفسها، فالأولى منهما متى أراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام صرف الغنيمة إلى وجه من الوجوه كان له ذلك، وإن أراد قسمتها كانت على السهام المذكورة في آية الغنيمة، والخمس أيضاً يُقسم متى أريدت القسمة على السهام المعلومة في الخمس، وإن أراد الإمام صرفه إلى وجه واحد فله ذلك كما فعل علي عليه السلام في الأخماس، وكان يقبضها مدة حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأيام أبي بكر، وبرهة من أيام عمر، فلما أتى خمس جند نيسابور وكان مالاً، فقال عمر: هذا مالك يا علي، أو هذا مالكم فخذوه، فقال علي عليه السلام: (إن بنا عنه غنى وبالمسلمين إليه حاجة، فقال العباس رضي الله عنه: شيء في يدك، أو قال: في أيدينا نعطيه القوم، فأمضى ذلك علي عليه السلام فقال: والله ما دعيت إليه حتى قمت مقامي هذا، فللإمام أن يتصرف في جملة الغنيمة كما ذكرنا أولاً، وفي خمسها كما ذكرنا ثانياً عن علي عليه السلام تصرف المالك في ملكه؛ لأن علياً عليه السلام لم يشاور الهاشميين في الخمس رجالهم ولا نساءهم ولا استطاب نفوسهم، وكيف وأكبرهم سناً وأوجبهم بعد الحسن والحسين عليهما السلام حقاً العباس رضي الله عنه ابن عبد المطلب لذلك كاره، فلم ينظر علي عليه السلام إلى كراهته.(1/722)


وما يحكى من استطابة النفوس كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سبايا حنين فإنما هو سياسة وحسن معاشرة، وقد جعل الله الغنائم لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقسمها على بواء، كما ذكره عبادة وذلك له، فالآية في الأنفال لها وجه، والآية في الغنيمة لها وجه آخر، ولا يقع النسخ إلا فيما يتنافى ولا يتنافى إلا ما كان على وجه واحد؛ لأنه عند أهل اللغة: إزالة ذلك، وعند أهل الفقه: إزالة مثل ذلك، وهذه إشارة ليس هذا موضع استيفائها، فالله تعالى جعل الغنائم (الأنفال) للإمام يفعل فيها ما شاء، وجعل الغنيمة إليه يقسّمها متى أراد قسمتها على الوجوه المذكورة، وفي آية القسمة ذلك إنما يكون بعد أن ينفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رأى تنفيله ويعطي من أراد إعطاءه، وإنما إذا قسم كيف يقسم؟
قلنا: للفارس سهمان وللراجل سهم، وكان مع المسلمين يوم بدر ثلاثة أفراس: فرس مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يقال له: السيل، وفرس المقداد بن عمرو النهراني كان يقال لها: بغرجة، وفرس الزبير بن العوام يقال له: اليعسوب، فنحن نروي في الخيل التثنية، وأهل الثلاثة يروون الثلاثة، والأصل هذه الأفراس.
ووجه الجمع بين الروايتين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفل الفارس سهماً فكانت ثلاثة أسهم فلا يمكنهم التأوّل فيما ذكرنا من السهمين، والجمع بين الأخبار واجب، ما أمكن فقد أمكن، ولا يمكنهم في خبرنا إلا نفيه، وقد صحَّ فبطل ما قالوه.(1/723)


وأما الإجماع الذي ذكره الحاكم فهو حقّ أن الإجماع في القسمة هو هذا فيما يقسم، وأما فيما لا يقسم فكيف يصحُّ دعواهم فيه، وكذلك في قوله تعالى: ?إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ?[الأنفال:41].
قال أيده الله: وتقديره: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن هذا حكمه في الغنيمة وشرعه فلا يحلُّ لأحد مخالفة هذه الآية مع هذا الشرط، والكلام في هذا مستقيم كما قدمنا، وأن ذلك حكم الله في الغنائم إن لم تقسم، وذلك حكمه فيها إن قسمت، والكل حقّ وشرع ومنزّل، ولا يردّه من آمن بالله، وما أنزل على عبده يوم الفرقان، يريد: يوم فرَّق الله بين الحق والباطل بنصر أوليائه وخذلان أعدائه، وكان ذلك يوم بدر، القوم يقربون من ألف فيهم مائة فارس وهم صميم قريش، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر، فكان هذا نهاية الفرقان.
قال أيده الله: وهذه الآية في سورة الحشر، فقال تعالى: ?مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ…?إلى آخر الآية[الحشر:7]، أللفيء حكم آخر، فما ذلك الحكم؟ وإذا كان حكمهما واحد فهل يجب الاستئثار أم لا؟ فيأخذها الأغنياء دون الفقراء مع قوله تعالى: ?كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ?[الحشر:7].(1/724)


قال: وبهذه الآية احتجَّ عمر لما طلب منه قسمة أرض الخراج فامتنع، وتركها للمسلمين على سواء، وكان بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد في ذلك وهذا السؤال فرع على أن حكمهما واحد، أعني آية الفيء وآية الغنيمة.
قال: وإن كان الفيء الذي نهى الله عزَّ وجلَّ أن يكون دولة بين الأغنياء هو غير الغنيمة، أنعم ببيانه؟
قال: وقد صرَّح عزَّ وجلَّ ببيان حكمه بعد ذكر آية الفيء، فقال عزَّ وجلَّ: ?لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ?[الحشر:8]، وثنَّى عزَّ وجلَّ بالأنصار، وثلَّث بالذين جاءوا من بعدهم، فهذه ثلاثة أصناف من الأموال:
أحدها: الأنفال التي جعلها الله لله وللرسول.
الصنف الثاني: الغنيمة التي لم يجعل الله فيها لله وللرسول ولسائر الأصناف سوى الخمس.
الصنف الثالث: الفيء الذي جعله الله عزَّ وجلّ للفقراء، ونهى أن يكون دولة بين الأغنياء.
قال أيده الله: ينعم ببيان حكم كل واحد من هذه الأصناف المذكورة؟
الجواب عن ذلك: اعلم أيدك الله أنه لا فرق في الشرع الشريف بين الفيء والغنيمة إلا في اللفظ دون المعنى، الفيء إن همز فأصله فاء إذا رجع، فكأن هذا المال كان غائباً عن المسلمين فرجع إليهم، والغنيمة هو المال المستفاء، غنم نقيض غَرم، قالت عذر في بعض أيامها في الجاهلية، قالوا: ولم نغنم غيره، وقال الشاعر:
وقد طوفت بالآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإيابِ(1/725)


وإن لم يهمز الفيء فأصله الظل، فكأن الذي يأخذ المال في ظل لبرد لذة المال، وآية الفيء في سورة الأنفال فقد ذكرنا أن الله تعالى لما ملَّكها نبيه قسمها على بواء (معناه على سواء) فهي غنيمة، وجعل أيده الله ذلك أصنافاً، وكرّر الفيء في صنفين، وليس ذلك من القسمة في شيء وإنما هو الفيء، وإنما اختلفت الأحكام باختلافه (أي الحكم).
وأما سورة الحشر فاعلم أيدك الله أن سورة الحشر كلها نزلت في بني النضير بأسرها، يذكر فيها تعالى ما أصابهم من نقمة، وما سلَّط عليهم رسوله، وما عمله فيهم فقال تعالى: ?هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ…?إلى آخر السورة[الحشر:2].(1/726)

145 / 170
ع
En
A+
A-