الأنفال في أصل اللغة: هي الزيادة من المحبوب، قال لبيد:
إن تقوى من خير نفل .... وبإذن الله ريثي وعجل
ثم صارت في العرف: تنفيل الغنائم فكأنها زيادة في الخير، وسبب السؤال أن المسلمين تنازعوا في الغنيمة يوم بدر، وكانت المشيخة والجلّة ردءاً للمسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الشبَّان والفرهان أوغلوا في اتباع القوم، فقال الشبان والفرهان: الغنيمة لنا لأنا فضضنا القوم وتبعناهم، فبنا حيزت الغنائم. وقالت الجلة: نحن ردؤكم، وحفظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلولا نحن لم تغنموا، فلما ساءت ظنونهم، وعظم تشاجرهم نزلت في ذلك سورة الأنفال من أولها إلى آخرها، وهي تسمىّ: سورة القتال، وسورة الأنفال، وفي ذلك ما رويناه بالأسانيد إلى زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي، يرفعه قال: نزلت سورة الأنفال في أهل بدرٍ في اختلافهم في النفل حين اختلفوا، فقال تعالى: ?يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ?[الأنفال:1]، فكان عبادة بن الصامت رحمه الله إذا سئل عن الأنفال قال: فينا معشر أهل بدر نزلت حين اختلفنا في النفل يوم بدر، فانتزعه الله تعالى من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا، فردَّه الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقسمه بيننا على بواء، معناه: على السواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين.(1/717)


قال أيده الله: وهل إضافتها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إضافة تمليك أو إضافة تولية؟ وإذا كان إضافة تمليك فهل حكم هذه الآية باقٍ إلى الآن، أم هو منسوخ بآية الغنيمة؟
الجواب: إنَّ إضافتها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إضافة تمليك لا تولية، والدليل على ذلك أنه يفعل فيها ما شاء وكيف شاء وذلك حقيقة الملك؛ لأنه لو كان تولية كان حكمه حكم ولي اليتامى، له التصرف بحكم الولاية، ولا يجوز له المفاضلة، ولا قائل بذلك من الأمة فيما نعلمه.
وسألت عن حكم هذه الآية هل هو باقٍ أو منسوخ بآية الغنيمة؟ وهو باقٍ إلى الآن؛ لأن للإمام أن يفعل في الغنيمة ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله، فلو كانت منسوخة لاختلف الحكم، ولا اختلاف في ذلك بين أهل العلم.
قال أيده الله: وإذا كان هذا الحكم باقياً فهل علم من حاله أنه استأثر بالغنيمة دون المهاجرين والأنصار أم لا؟
والجواب عن هذه المسألة: إن الاستئثار ليس من طرائق الأحرار، فكيف يضاف إلى المصطفين الأخيار، وقال عنترة في جاهليته:
هلاّ سألت الخيل يا بنة مالك .... إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
ينبيك من شهد الوقيعة أنني .... أغشى الوغى وأعف عند المغْنَمِ
فإذا كانت جفاة الجاهلية يمتدح بترك الاستئثار فكيف يكون في أهل الإسلام، فكيف يكون في أصل الإسلام وأساسه من صفوة الله من خلقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستئثار يبطل حكم المروءة، فكيف يجوز على من خصَّه الله بالنبوة، هذا ما عنه سائل، ولا به في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائل.(1/718)


فإن كان السائل أورد ذلك مقدَّمة لإنهاء العلم إلينا، وأنا نستأثر بالغنيمة فلا طريق له إلى العلم بذلك لمغيبه عنا وعلم من حضرنا بخلاف ذلك، فإن نقله إليه ذلك ناقل فلا يبلغه من صادق إلا أن يكون نزوله عن غير صادق، ولو أراد مريد تتبع الغنائم مجموعها وأخماسها لعلم الحقيقة.
أما أخماس تهامة فهي لا تجاوز البطنة مجموعة، وهي الآن محفوظة الأصول مع القاضي إسماعيل، فلو فُتِشَت لم يوجد الصائر إلينا منها نصف عشر، ومن صارت إليهم محفوظون معروفون بأعيانهم، والأمناء يحققون ذلك لو سئلوا عنه، وذات خولان هي أعيان معلومة ينظر ما صار إلينا وما صار إلى المسلمين.
ولنا أن نعطي من رأينا إعطاءه وإن كان في المعلوم أن الصواب في إعطاء غيره على رأي أهل الأشبه، وصارت إلينا أغنام رأينا تركها لنا في الظاهر، ونفعها عام للمسلمين يعرف ذلك الخابر، وأخرجنا أضعاف قيمتها من خالص مالنا لأهل البيت وغيرهم، ولو نابت نائبة توجب خروجها لم نضن، والماضي منها في اللطية خمسمائة رأس، وبيت المال جهات معلومة، وكل جهة فيها متصرف قَبْض بيت المال إليه وإخراجه على يديه ولم يبق تصرفنا إلا فيما يخصّنا من بر أو مال، والعالم بحالنا يعلم ما يخرج في كل يوم إلى أهل البيت خاصَّة وإلى سائر المسلمين عامة، ولا يوجد له وجه في الظاهر إلا ما ذكرنا، وما وراء الظاهر ظنون لا تثبت بها الأحكام في الدين.
والحديث في الإمام هل هو ورع أم لا؟ فإن كان غير ورع فالورع من خصاله لم تصحّ الإمامة في الأصل، وإن كان ورعاً حملت الأمور على السلامة.(1/719)


وللإمام أن ينظر في مصالح المسلمين، فلو رأينا قسمة الأعيان بينهم جاز، وإن رأينا قسمة الأثمان فكذلك، ولم نذكر هذه الجملة إلا أنا استبعدنا أن يقع السؤال ولا يجيبه الجواب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل كان يستأثر بالغنائم أم لا، فظننا أن المسألة ربما ترجع إلى قول منظور بن سيار حيث قال:
عاينه ……… الجبارة .... إياك أعني واسمعي يا جارة
وأما المهاجرون والأنصار الذين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن لهم في أيامه أرزاق في بيت المال معينة فكان بلا بد غنائمهم بيت مالهم، فلم يكن بدّ من قسمته، ومهاجرونا وأنصارنا لكل إنسان قسط يرجع إليه، فلو زدنا أضفنا إليهم الأخماس، وقعت هنالك الأثرة فيما بينهم، والإجحاف بغيرهم، وتركنا الأخماس لغيرهم، كما قدَّمنا من لا قسط له معين، أو لنائبة تنوب، أو لسدِّ خلة بعض أهل الأرزاق، أو لدفع ضرر الحاجة، أو إخلاله إن لم يعط، وما لا ينحصر لنا في الحال ذكره من الوجوه، وهذا الذي ذكرناه مسطور يتكرر على أسماع المختصين بنا، فإن علموا خلافه كانوا على يقين من الأمر، فأما المبتعد فربما يصله الشر ولا يصله الخير، قال الشاعر:
صُمٌ إذا سمعوا خيراً ذُكِرْتُ به .... وإن ذكرت بشر عندهم أذنُ
وربما أن يتكلَّم الغاضب بما لا يتكلَّم به الراضي، ولعظم المحنة في هذا الباب أسقط بعض أهل العلم أحكام فعل الغاضب بالأيمان والنذور والطلاق، قال الشاعر:
نظروا إليك بأعين لو أنها عين الرضى لاستحسنوا ما استقبحوا
وقد قال ابن جعفر:(1/720)


وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقد كان أقرب إلى رضى الله تعالى وطاعته أن لا يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسباراً لقعر غيره، فنفوسنا، وأعراضنا، ولحومنا، ودماؤنا، وآباؤنا، وأمهاتنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفداء، وقد كان الصواب أن تجعل المسألة في الإمام نفسه إما مجملاً إن احترس من التفصيل، وهل يجوز للإمام أن يستأثر؟ فكان إن عثر الإمام فعثرته مستقالة، وعندنا أن الكبائر تجوز عليه خلافاً للإمامية ومن حذا حذوها.
قال أيده الله تعالى: وكيف الجمع بينها وبين آية الغنيمة؛ لأن في آية الغنيمة ما جعل لله وللرسول وللأصناف المذكورين سوى الخمس، وجعل الأربعة الأخماس للغانمين بالإجماع، قال: ذكره الحاكم، وفي آية الأنفال جعل الكل لله وللرسول، فكيف الجمع بينهما إذا كان المراد بأحدهما هو المراد بالآخر؟(1/721)

144 / 170
ع
En
A+
A-