وأما قوله: إن الأعذار قبل الحرب واجب فعندنا أن ذلك لا يجب تجديده لمن قد بلغته الدعوة، فأما من لم تبلغه فلا بد من إنفاذ الدعوة إليه وإيجاب الحجة عليه.
وأما الوعظ والنصيحة، ونشر المصاحف فحسن إن فعل، غير واجب إن ترك، لأن أكثر آبائنا عليهم السلام لم يفعله ولو فعله الأكثر لم نرَ وجوبه ما لم ينعقد عليه إجماع العترة عليهم السلام.
وأما ما حكى من الإجماع أنه لا يجوز تغنم أموال التجار التي في عساكر أهل البغي فدعوى الإجماع في ذلك لا يصح لأن التاجر إذا كان في عسكر أهل البغي فهو من أقوى معونتهم على أهل الحق، فأما تجار أهل الحق الذين حازهم أهل البغي فلهم حرمة أهل الحق أمكن التمييز .
وأما ما ذكر من كلام علي عليه السلام يوم الجمل فذلك حق وهو رأيه عليه السلام في تلك الحال .
وقد روينا أنه عليه السلام أخذ مال المحتكر فقسمه نصفين حرق نصفه وأمر بنصفه إلى بيت المال فقال: لو ترك لي أمير المؤمنين مالي لربحت مثل عطاء أهل الكوفة؛ وهذا أصلنا في جواز العقوبة بالمال وأن للإمام في ذلك الاختيار بين أن يهلك المال وبين أن يصرفه إلى بيت المال إن أخذه بغير مغالبة ولا قتال، وإن أخذه بمغالبة وقتال كان فيئاً لأن فيه علة الفيء، ويلحق به حكمه وأتبع ذلك فصلاً ذكر فيه وجعل على الناس ضرائب غير معلومة في الشريعة، ولا إلى جوازها ذريعة ألزمها الغني والفقير، والصغير والكبير.(1/712)


قال وأخذ من المواشي غير المعهود في الشرع وما ليس له فيه أصل ولا فرع، ثم فصل ذلك تفصيلاً مستحيلاً لا يجد إلى تصحيحه سبيلا قال: أخذ من كل عشر من الغنم شاة وديناراً فعثر في أول خطوة خطاها، إما افتريت له، وإما افتراها إنما أمرنا أن يؤخذ من البلاد التي قد صح عندنا أن لولا دفاعنا عنها بدفاع الله سبحانه لاجتاحها الظالمون، وإن جهل ذلك القاضي فلا يؤثر جهله بوجوب ذلك وحسنه لأن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه لأنا نعلم به ولا بالجهل، والذي جعلنا على العشر الشياه دينارا لا غير بعد أن يؤخذ من الأربعين شاة، ومن المائة والعشرين على فرائض الشرع المعلومة جعلنا ديناراً معونة رأيناها ورآها كبار أهل البلاد وصلاحهم صلاحا وشاورنا على ذلك أهل العلم، واستقر بنا الأمر النبوي، فساغ ذلك بكل وجه، وقد فعل الهادي عليه السلام مثل ذلك بصنعاء فإنه فرض على صاحب العشرة الآلاف شيئاً معلوماً، وصاحب الألف، وصاحب المائة، وصاحب الثلاثين الدينار ،فنقد عليه في ذلك وأجاب عنه في مسائل الطبري، ولولا ظهوره وخشية التطويل لأوردناه فما وجه الإنكار لذلك وما موجبه إلا عناد الحق والطعن على المحقين.
وأما ما ذكره عن الدابتين أنه فرض عليهما ثلاثة عشر قيراطاً فهذا ما لا أصل له في الأصل، ولا ذكر له في جد ولا هزل فإن رواه له راو، فهو في الرواية غاو.(1/713)


وحكى أنه جعل على الرأس في الظاهر ثلاثة عشر قيراطاً. قلنا: هذا غير المعروف، وهذا لاحق بالأول في الاستحالة، وإنما الصحيح في ذلك أنه جعل على أهل الظاهر، وبلاد بكيل، وبلاد بني معمر قدر خمسة آلاف دينار في كل سنة ما دامت للغز شوكة في صنعاء، فإذا أخمد الله نارهم ترك ذلك عنهم شهد به الله وخلقه علينا، وقسط بينهم على قدر سعتهم وضيقهم فأكثرهم جعل ذلك بغير فرض منا وجعلوها على وجوه تراضوا بها.
منهم من جعل ذلك على الرؤوس، ومنهم على الأموال؛ والسبب في تقرير هذا المال أنا أمرنا لهم وسألناهم المعونة فاشتور كبارهم وجاءونا وقد قدروا هذا القدر، وهذا كان بثاقب، وحضره جيل كثير من الناس فلا المكرار يدعى فيه خلاف الواقع ولا ضريبة عليهم مقررة سواه إلا أن يكون ضيفة لعسكر وأرادوا ما أمر الخمس فجعلناهم في البلاد التي يطأها الظالمون، ولولا عملنا ذلك لأخذ الكل فيما جرت به العادة، والحمد لله الذي جعل بلدنا مفزعاً للضعفاء فقد عمرت وكثرت خيراتها على جحر الزمان وتقطع الأمطار.(1/714)


وأخبرنا القاضي قاسم بن أحمد الطائي في مدينتنا هذه. قال دخل مولانا حوثا والحبله تباع بثلث دينار وهي الآن لا توجد بخمسة دنانير، وحكى غيره في تلك الجهة وغيرها مما جانس هذا كثيرا وشاهد الحال يقضي به، وجعلنا البلاد وأكثرها معاصرة، فهي اليوم عامرة يعدم فيها الخراب والناس محب للحق ومبغض؛ فأما المحب فيدعي إلى الله تعالى بدوام دولته، وأما المبغض فلو أعطيناه مالاً كثيرا لتبرم بالحق هامه، ولقد أتانا ممن خاف الله جماعة بشيء من أموالهم، وذكروا أن الخمس خرص عليهم فجاء دون العشر فجاءوا بفضلة العشر، ومنهم من استحل في إخراجها ومنهم من استأذن وهي باقية.
وأما ما ذكر من اليتيم فإنه خرص عليه خمسه أمداد خمسا فجاءت زراعته أربعة ونصفا فسأل سماحه النصف المد فقد رأينا أن يجعل لليتيم في ذلك مصلحة وهو أن يكون على القاضي محمد.(1/715)


كتاب الرسالة العالمة بالأدلة الحاكمة
مما ولي تأليفه الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين
عبد الله بن حمزة بن سليمان عليه السلام وهي آخر تصانيفه
وهي جواب للفقيه العالم يحيى بن الحسن الجالس
رحمه الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلاته على محمد نبيه وسلامه، الحمد لله ربِّ العالمين حمداً لا ينقضي أمده، ولا ينحصر عدده، وصلى الله على نبي المرحمة والملحمة، وأبُ العترة الطاهرة، وسلّم عليه وعليهم أجمعين.
أما بعد:
فإن العلم ميزان الدين، والبراهين أوزانه، والذرية الطاهرة وزَّانه، فهم نقدته وجهابذته، وأساقفته ومؤابذته، ولا يمرُّ عصر من الأعصار إلا ولهم فيه منازع، ومنهم سلام الله عليهم عنه مقارع، ومنهم شارد، وإليهم نازع، ?وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ?[هود:118،119]، فنسأل الله الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وللسائل حقّ المسألة وهو ردُّ الجواب، وعلى السائل الإنصاف في تأمل الشروط والعلل والأسباب، استوى المكلّفون في العلم بالمعجزات لأنها من المشاهدات، واختلفوا في العلم بمدلولها، وتأمل فصولها، وليس على العالم أن يعلّم المتعلّم، وإنما عليه إيضاح البرهان، وتعيين البيان، وقد كثر الترداد في السؤال والجواب، ولم نترك ما يمكنا إيراده مع تضايق الحال، وكثرة الأشغال.
سأل أيده الله : عن قوله تعالى: ?يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ?[الأنفال:1]، الأنفال ما هي؟(1/716)

143 / 170
ع
En
A+
A-