وقد روينا عن محمد بن عبد الله أن أبا خالد لقيه قبل خروجه بمدين فقال: يا ابن رسول الله متى يكون هذا الأمر؟ قال: وما يسرك منه. قال: ولم لا أستر بأمر يقر الله به المؤمنين ويخزي به الفاسقين. قال: يا أبا فلان: أنا والله خارج وأنا والله مقتول ولكن والله ما يسرني أن لي ما طلعت عليه الشمس وإني أترك قتالهم إن امرأً مؤمنا لا يمسي حزينا ويصبح حزينا مما يعاين من أفعالهم لمغبون مفتون. قال قلت: يا ابن رسول الله فكيف بنا ونحن بين أظهرهم مقهورون مضطهدون لا نستطيع لفعلهم إنكاراً، ولا عليهم تغييرا . فقال عليه السلام: اقطعوا أرضهم ، ورأى القاسم بن إبراهيم عليه السلام وولده محمد وجوب الهجرة في غير وقت الإمام من ديار الفاسقين وأحكام الظالمين فهذا أبلغ من الأول .
وذكر الحاكم أبو سعيد رحمه الله في تحكيم المعقول أن الواجب على الإنسان الانتقال إلى كل موضع يعلم أنه يكون فيه أقرب إلى فعل الطاعة وترك المعصية، ومعلوم أن البلاد التي يظهر فيها المعروف ويخفى المنكر أقرب إلى فعل الطاعة وترك المعصية.(1/707)


وأما ما ذكره من سبي مبارز في (المحالب) للذرية فتلك فرية جلية لأن المعلوم أن أحداً ما ادعى هذا قبل القاضي، ولكن ما فائدة العلم إذا لم يأت بغير ما أتى به الناس وإنما كان كلام الطاعنين أنه لا يجوز انتهاب أهل الفسق وأخذ ما كان في منازلهم، ولا يجوز إلا ما كان في معسكرهم وإنما ذكروا الخلاف في ذلك ليقووا المنع منه فأتى القاضي بزيادة غيرت حكم المزيد عليه فكان نسخاً والنسخ لا يصح إلا في الأخبار إلا أن تكون مشروطة أو مؤقتة على ما ذلك في مواضعه. قال في آخر كلامه واصطفى من السبايا سبية هي كما أخذت صفيه ذكر أن غير واحد حدثه أنها لتاجر من أهل حرض وأنه قضاها امرأته .(1/708)


الكلام على هذا: أن هذا من القاضي حكاية واهية لأنه ذكر أنها أخذت صفية ولم تؤخذ، كما ذكروا أنها أخذت بثمن من الغانمين ولولا اعتقاد جواز تغنم أموالهم ما أجزنا شراها، ولا أخذها في الأصل، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول تعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ?[البقرة:193] ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله سبحانه أمرنا بقتال المشركين فكان كما تقرر في أحكامهم بسفك الدماء، وسبي الذرية، والظالم عندنا على وجهين ظالم لنفسه بالمعصية وظالم للناس بالجبرية، ولا شك عندنا بمعصية من تخلف عن الإمام، وكثر سواد الجبارين، وعمر أرضهم، وسكن بلادهم بغير إذن إمامه، وإنما قلنا تكون أموالهم غنيمة فلأنها أموال أخذت على وجه التنكيل على المعصية، وكانت غنيمة دليله الفيء، وقلنا تجب فيه القسمة وهذا حكم الغنائم؛ فإن ذكر أن علياً عليه السلام لم يعرض لما وراء عسكر أهل الجمل وأهل النهر فعندنا أن أولئك بغاة، وذلك اجتهاده عليه السلام فيهم، وأهل هذا العصر فساق متهتكون ظالمون هذه أسماؤهم وهي جارية بحدوث معانيها كما حدث اسم الفساق في زمان واصل بن عطاء، ولها أحكام مخصوصة منها: جواز أخذ الأموال، وهدم الديار، وخراب الزرائع، وقطع الأشجار، وقد فعل ذلك الهادي عليه السلام في نجران وعلاف فإنه هدم المنازل، وقطع النخيل والأعناب، وأباح الأملاك للعساكر، وأخذ أموال المهادر من أفقين الإبل والبقر والغنم والعبيد، وقسمها أخماساً، وبهديه اهتدينا، وعلى تأسيسه(1/709)


بنينا، ولو خالف اجتهادنا اجتهاده عليه السلام لما اعتدينا، وقد قال المؤيد بالله عليه السلام في مسائل ما أعلم بهذه قائل مثل يحيى عليه السلام فما نقص ذلك يحيى عليه السلام وهل ينكر أحداث الأحكام في مسائل الاجتهاد إلا جاهل أو متجاهل، وليس أهل زماننا من البغاة في شيء لأن الباغي هو من يحارب الإمام على أنه محق والإمام مبطل فيكون متأولاً في حربه، كما كان في الخارجين على علي عليه السلام، وهو معنى قوله تعالى: ?وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ?[الحجرات:90] فأهل زماننا هذا أسوأ حالاً من أولئك لأن أولئك لم يرتكبوا منكرا مما أجمع على قبحه، كالزنى، وشرب الخمر، بل كان أكثر الناس تشديداً فيه الخوارج خاصة من أصحاب علي عليه السلام لأنهم كفروا من فعله، وعليٌّ فسق من فعله، وعندنا أن للفاسقين داراً بين الدارين كما أن لهم اسما بين الاسمين، ولهم حكم بين الحكمين؛ أما إن للفاسقين اسما فقد تقرر ذلك من مذهب الزيدية والمعتزلة وظهر دليله، وأما أن لهم دارا فإنما الدار مسماة بساكنها دار الكافرين بسكون الكافرين إياها ونفاذ أحكامهم فيها، ودار المؤمنين بمثل ذلك، ودار الفاسقين بمثله فكل دار سكنها الفاسقون وظهرت فيه أحكامهم فهي دار الفاسقين حقيقة، وحكمها جواز حرب أهلها ومغزاتها، وتغنم أموالها، والعبيد وغيرهم، ويكون الحكم عموما فيمن نفذت عليه الأحكام للظالمين، كما أن دار الحرب اسم لكل دار(1/710)


ملكها الكفار ونفذت أحكامهم فيها ولم يظهر فيها دين الإسلام إلا بذمة وجوار، كما أن مكة حرسها الله كانت دار حرب لوجود هذه العلة فيها قبل الفتح، وتفصيل هذه الجملة يطول، ودليلها أوضح دليل.
وأما ما ذكره من المعهود في الشريعة أن الذين يجب قتالهم أصناف المشركين والمرتدون والمحاربون والبغاة فلنلحق بهم أبقاه الله الفساق المتأخرين عن أئمة الهدى ولا عجب أن يحدث حال لها حكم أفليس عمر لما افتتح بلاد المجوس قال: ما أصنع بقوم لا كتاب لهم أنشد الله رجلاً سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً في المجوس إلا ذكره. فقال عبد الرحمن سمعته يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم)) فما ظنك لولم يجد نصا ما كان يعمل أفليس كان يجتهد رأيه مستجيزاً الله سبحانه، أفليس قد اجتهد رأيه في الدية في الأصابع، وفاضل بينهما باجتهاده حتى وقف على كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمساواة فيها فرجع إلى الكتاب عن الاجتهاد ولا تزال الحوادث تحدث ما بقي التكليف، ويحدث لحدوثها أقوال الأئمة عليهم السلام وعلماء الإسلام، وأكثر ما فيه أن يكون القاضي مجتهداً خالف اجتهادنا اجتهاده فليس له أن يخطئنا كما لم يظهر من علماء السلف تخطئة لأحاد المجتهدين إلا أن يكون عنده أنا لا نبلغ درجة الاجتهاد فنحن متعبدون في اعتقادنا في نفوسنا دون اعتقاده وجملة الأمر أنها مقالة يعجب منها أهل المعرفة.(1/711)

142 / 170
ع
En
A+
A-