والدليل على جواز هذا الدعاء أنا روينا بالإسناد أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا رسول الله إنا نجالس اليهود بخيبر فيعطس أحدهم فنستحي ما نقول. قال : ((قولوا يهديكم الله ويصلح بالكم)) ومن أصول الدين أنه يجوز أن يدعى للفاسق والكافر بما يفعله الله سبحانه له ابتداء الهداية، فقد قال تعالى: ?وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى?[فصلت:17] فأخبر أنه هداهم على كفرهم، ويدعى لهم بطول العمر، وسعة الرزق، لأن الله سبحانه يفعل ذلك لهم ابتداءً ولا يجوز أن يدعى لهم بالرحمة والمغفرة إلا لمن تظاهر بالتوبة، ثم قد حكى القاضي لشدة ورعه أنا كنا نصلي عليه في الخطبة اللهم إلا أن يكون قد نوى المعنى اللغوي وأن الدعاء صلاة فقد سلم من الكذب بالنية، وخالف الحقيقة العرفية والشرعية، لأن الصلاة في الشرع أفعال وأذكار مخصوصة يتبعها أحكام مخصوصة، وفي العرف لفظ مخصوص على وجه مخصوص، وقد مدحه القاضي في غير مكان من الشعر، وقصد بذلك الطاعة والبر منها في الشعر المكتافي
ألم تر أن الله أظهر دينه .... بحيل سداد العزم غير ركاك
وخص مبارزاً بقوله:
فكر عليهم كالهزبر مبارز .... فأعلفهم من بأسه بسناك
وشعر على قافية الزاي أطنب في مدحه في غزاة نجران وهو قوله:
فجاهد في الرحمن حق جهاده .... حسام أمير المؤمنين مبارز
وأكثر ما فيه أن مبارزاً كان كافرا فاعلم.(1/702)


فأما أنه ممن حارب الله تعالى ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وتاب قبل أن يقدر عليه فقد كان ذلك، وقد حارب الله سبحانه ورسوله وسعى في الأرض فسادا على عهد علي عليه السلام حارثة بن بدر، وتاب على يدي سعيد بن قيس الهمداني قبل القدرة عليه فأقامه علي عليه السلام وكتب له كتاباً يذكر فيه توبته وأنه لا سبيل عليه فيما فعل ولا تبعة، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
ألم تر أن حارثة بن بدر .... يصلي وهو أكفر من حمار
ألم تر أن للفساق حظاً .... وحظك في البغايا والقمار
فهل نقص ذلك علياً عليه السلام عند القاضي أم لا .
وأما ما ذكر من غزاته إلى (سراقة) وأخذه لأهلها قبل أن يكون لهم بهم علم أهم حرب أم سلم وأنه قتل ونهب وسبى، فمن حكى من علمه بأن أهل سراقة أخذوا بغير ذنب فليس علمه مشروطاً بجواز أخذهم إذ علم سواه ممن هو معاشرهم وحاضرهم شرط في جواز ذلك.
وأما التقدم إليهم فقد وصل إليهم الصنو أسد الدين والأمير صفي الدين في جماعة من الشرفاء فسألوهم الدخول في الطاعة والانقياد لأمر فكرهوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فقتلوا لا شك وسلبوا، وقتلهم جائز عندنا وسلبهم، وسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.(1/703)


وأما ما ذكره من السبا فذلك يستبشع لا يحسن من الأدباء، أما المماليك فقد أخذ ذكرانهم وإناثهم، وأخذهم عندنا جائز، ولشدة الاستقصاء في أمر الحرائر أخرج بعض المماليك ومن الحرائر من حصلت شيئاً من المال لما وقع في حقها من الإحلال، ولم يقع من مبارز في ذلك ما ذكر القاضي على الوجه الذي ذكر فيجب إنكاره، ولا فعل إلا ما قام الدليل بجوازه، والحق ذلك بذكر المخالف، واعتلاله لأهلها بالاستضعاف، وذلك عذر لم يقبله الله سبحانه وتعالى ?قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ? فرد ذلك عليهم بقوله: ?أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا?[النساء:97] وعندنا إن الإمام إذا قام وجب على جميع الأمة طاعته لقول الله سبحانه وقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأمة.(1/704)


أما قول الله سبحانه قوله تعالى: ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ?[النساء:59] وأولوا الأمر هم الأئمة، والأمراء من قبلهم، وقال تعالى: ?يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ?[الأحقاف:31،32] وهذا أمر في الآيتين والأمر يقتضي الوجوب على ما قررنا ذلك، ومن سبقنا من العلماء في أصول الفقه وأصول الدين، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله على منخره في نار جهنم)) وأمر بطاعة السلطان، ولو كان عبداً حبشياً حتى نازعت في ذلك الخوارج، وظنت أن لها به حجة إلى غير ذلك.(1/705)


وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين أن طاعة الإمام واجبة وأنه لا يجوز لأحد من المسلمين التخلف عنه إلا بإذنه، ولأنه قائم مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن المعلوم وجوب استئذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن العظيم ناطق بذلك قال تعالى: ?فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ?[النور:62] وقال تعالى: ?وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ?[التوبة:90] وغير ذلك فقد رأيت كيف ذكر استئذان الأعراب وذلك لرجوع الأمر إلى أولي الأمر فإذا سمعت الواعية وجب على الكل الفزع إلى صاحب الأمر، وهذا لمن يعرف من أهل المحالب أو غيرهم، فإذا قرعت الدعوة أسماعهم فما عذرهم في التخليف إلا الذين حكاهم الله سبحانه من الضعفاء والنسوان والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
فأما قوله لا هجرة بعد الفتح فعندنا أن الهجرة سقطت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح مكة لظهور الإسلام وهكذا كل أرض يظهر فيها أمر الإمام يجوز الاستقرار فيها وسقط وجوب الهجرة عنها وليس كذلك ما كان تحت أيدي الظلمة وهذا رأي أهل البيت عليهم السلام.(1/706)

141 / 170
ع
En
A+
A-