وأما ما ذكر من اعتذار عبد الله بأنه سم نفسه فليت شعري إلى من اعتذر وأكثر ما نجد في ذلك أنا كتبنا إلى الداعيين إلى الله كتابا نخبرهما بوفاته، وأنه أصبح ميتا، ومن الناس من قال سم نفسه فلم نقل إلا صدقاً أيهما العالم عند نفسه، وإذا حكى الصادق قول الكاذب أيكون كاذباً أفليس قد حكى الله سبحانه قول الفراعنة والكفار فيه وفي أنبيائه وكان الله صادقاً وهم كاذبون، والمقرر عند أهل العلم بل من تقرب منهم من التلاميذ إن حكاية الكذب صدق إذا قال نصراني الله ثالث ثلاثة تعالى عن ذلك وقلنا قال فلان الله ثالث ثلاثة كنا صادقين في الحكاية عنه، وإن حكينا كذبة ونحن قلنا قبل القاضي بوقاحته مع الاستيحاش من كذبه فكذب صادقاً، وكان في القول سابقا، وفتق ما لا يجد له راتقا، فإن كان بقوة عزمه واثقا فلم يستح مخلوق ولم يخف خالقا، ولنا في أبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، فقد كذبه إخوان القاضي في زمانه، وفضلوا كفرهم على إيمانه، وجعلوا صدقه كذبا، واتخذوا ما جاء به من عند الله سبحانه هزؤاً ولعبا، فما ضروا إلا أنفسهم أرادوا بغضه، فرفعه الله سبحانه وأعلى ذكره، ووضعهم ودمر عليهم وما هي من الظالمين ببعيد، ولنرجع إلى ما كنا بصدده كانت المطالعة من الظاهر بما جرى على يحيى بن أحمد بن سليمان فلما وصلنا صعدة وحضر الداعيان إلى الله وحضر الكافة من بني الهادي وأهل العلم من القضاة والفقهاء، والولد الأمير المذكور وصرحنا بالخبر الذي ذكره القاضي في إيراده، فأجازت الشريعة قتله، وإراحة البلاد والعباد من شره لسعيه في الفساد، وخلافه لمذاهب(1/697)
الآباء والأجداد، وقد قال تعالى في قصة نوح: ?قَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ?[هود:45] فقال تعالى: ?يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ?[هود:46].
وأما ما فرع في مسألة الأمير من الأحكام، وحكى من فقهاء الإسلام، فقد جلب التمر إلى هجر، ونحن بحمد الله أعرف منه بالأصل والثمر، وعندنا إن قتل الأسير جائز ما دامت الحرب قائمة وقُتِل والحرب بيننا وبين حلفائه الذين جعلهم له وليجة دون الله ورسوله والصالحين من عباده قائمة لم توضع أوزارها، وقد أظهر الكيد، وفك القيد، وما أظن القاضي جهل قدومه إلى صنعاء، ومحالفته للغز، وتقدمه إلى البلاد مقدمة لهم وميعادهم له عند استقراره بوصول العسكر إليه من جهتهم إلى غير ذلك، وكون أول عساكرهم في الكتاب مادة له، ودخول بعض المادة إليه بالليل إلى غير ذلك وأن أهل قرية (قاعة) لقوه، فطلب تحليفهم قالوا: نحلف لك كما حلفنا لأبيك. قال: تحلفون لإسماعيل فما أنا له إلا خادم، وصدر كتبه بالملكي المعزي؛ فإن كان مع القاضي من هذا خبر، وإلا فليسأل أهل الوبر والمدر
وليس يصح في الأوهام شيء .... إذا احتاج النهار إلى دليل(1/698)
وأمير المؤمنين عليه السلام قد قتل الأسير بصفين، وأجهز على الجريح، ومن على بعض الأسارى بعد أخذ سلاحهم وتحليفهم لا حاربوه ثانياً، ووهب لكل واحد منهم أربعة دراهم؛ ومعلوم لنا ولمن حضرنا من المسلمون أن يحيى بن أحمد كاد بعد كونه في الأسر بأمور صحت لنا منها تحريضه لمن أمكنه تحريضه على الفساد، ومنها تهدده للدين وأهله بالمنابذة والعناد، ومنها أنه فك القيد، ومنها أنه أطعم حراسه المبنج، وجملة الأمر أن القاضي لو أراد البصيرة كان حاضرا إلى بين أيدينا، واستعلم استعلام من يطلب الرشاد دون العناد على رؤوس الأشهاد، فإن وقعت الحجة عليه سلك طريق الهداية، وإن وقعت له سلم من ركوب، الغواية وكان من أمره على معلوم، ومن دينه على بصيرة، ولم تظهر ثمرة لسانه المعانده، فهو يجد من أنصار العترة عليهم السلام من يجزيه بالصاع من ذلك أصواعا، ولكن ما هذا من شعار أهل الدين، ولا طريق الصالحين أن يتجاسر أحدهم على تكذيب الصادقين، لا سيما إن كان يعلم أن الصالحين يعلمون كذبه في تكذيبهم، وإن دهماء الناس يحسنون الظن بهم، ويسيئون الظن به، ولكن الأمر كما قال الشاعر:
فضح التطبع شيمة المطبوع ...(1/699)
قد جرت عادتهم بالسب والصبر على المكافأة عليه، وكان الأولى بهم غير ذلك لو كانوا يعقلون فإن من لم يعتقد إمامتنا كثير، ولسنا نستوحش من ذلك لأن أكثر الأئمة وخير الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام فلم يجمع المسلمون على إمامته وكفره طائفة منهم ممن انتسب إلى العلم، وبرز في العبادة، ثم من ثم وهلم جرا إلى يومنا هذا ما ظهر إمام إلا قل أتباعه في حياته، وكثروا بعد وفاته إذا أمنوا من تكليفه لهم مما يعسر عليهم حمله فما علمنا أن أحدا ممن لم يعتقد هذا تقدم بسب ولا أذى ولا جاهر بتكذيب ولا أبدى إلا القاضي فإنه قال إنه أجرى منهم، وأصلب دينا فما أبعد ما أتى منه من الدين.(1/700)
فأما المسائل والإيرادات بهل ولم فلا حرج وهي بين أهل العلم غير منكرة ولا مستكثرة، ومن العجائب إن بلاد المطرفية والمجبرة ما ظهر في شيء منها شيء من الهجو للإمام وللأخيار من أصحابه إلا في جهة القاضي وإخوته، فظهر ذلك في حيّهم من ذلك هجو شيخي بني الهادي إلى الحق، بل شيخي آل الرسول عليه وعليهم السلام، ثم سرد بعد ذلك الأخيار واحدا بعد واحد ولما تكلم في هجرة وقش بعض من تكلم بما لا يحسن فما أمسى في الهجرة بل طرد وشرد فزادهم ذلك رفعة عند الأخيار، ولو رضوا به لم يدركوا به غرضا، وزادهم مرضا، ولسنا ننكر أنهم يحسنون الشعر، ولكن ليس كلما أحسن الإنسان قاله فإنا نعلم أن من قدر على الحسن قدر على القبيح، ولكن الواجب عليه أن يفعل الحسن ويترك القبيح، ثم ذكر بعد ذلك فصلاً قال ثم خرج سلطانه مبارز الذي كان يصلي عليه في خطبته ففي هذه الكلمة بان خطل لسانه وحُوب جنانه لأن كذب صاحب المنبر أشهر من الفرس الأبلق، والتكذيب عليه والكلام الذي كنا نذكره فيه لم نجعله جزافاً ولا خرج إلا بعلم، ولا دعونا له إلا بما يجوز أن يدعى بمثله للكفار، والكلام محفوظ مكرر حتى حفظ وهو: اللهم أرشد إلى منهاج رشدك، والحفظ لأكيد ودك، والقيام لحرب صدك هكذا روى ابن أحمد المرواني وأيد أعوانه المؤمنين، وإخوانهم الصالحين، الذين آثروا رضاك على رضا خلقك، وعملوا خالصاً لوجهك بغير زيادة ولا نقصان فإن كان القاضي سمع غير هذا فهو مما اختص سماعه دون جميع الناس.(1/701)