قال أرشده الله: ثم كان من نهب أهل درب ظالم بعد الأمان ما كان فاعتذر بأن الذي فعله بهم لم يصدر منه ولكنه لم يأمر لأحد برد ما أخذ منه قال: والمعهود في الشريعة أنه لا يجوز نهبهم مع الأمان، وذكر ما يجب من الوفاء بالعهود، وأن ذمة العبد والمرأة جائزة، وإن عماد الدين يحيى بن حمزة أمنهم وفرع ذلك إلى نهايته.
وذكر من الهادي عليه السلام ومن عبد الله بن الحسين وحربه لأبي دغيش الشهابي ما ذكر وذلك أمر نحن أعرف به من القاضي لأنه لم يكن يلتفت إلى شيء من علوم آل محمد سلام الله عليه وعليهم، ولا يرى بذلك؛ لأن اتباعهم وتفضيلهم على جميع الأمة خلاف مذهبه ومذهب والده، ولا يزال يبلغ منهم انتقاص السلف الصالح سلام الله عليهم، ويظهر على ألسنتهم كما قال تعالى: ?وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ?[محمد:30] ولقد بلغنا عن والده أنه سب الهادي عليه السلام بصنعاء قال الراوي وكنت معه لا غير فدهقته على قفاه استخفافا به في حق إمام الهدى فقام ولاطفني ولم يذكر من ذلك شيئاً، وبلغنا من بعض الثقات أنه سمعه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وبلغنا عن القاضي محمد أنه أنكر الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أهل البيت: ((قدموهم ولا تقدموهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم فتضلوا، ولا تشتموهم فتكفروا)) ولا يعظم سبهم للولد مع سبهم للوالد ولا سيما إذا كان فضل الولد دون فضل الوالد، وإن وقع في هذا غلاط فلا زال باغض أهل البيت عليهم السلام لا يعصمه إلا النفاق،(1/692)
ولا يستره من الهتكة والفضيحة إلا الإنكار.
وأما الذي ذكره من أهل درب ظالم فإن القاضي غلط في الرواية أو غلط راويه الذي هو عنده ثقة، ونحن نروي له ما نشهد بصحة الأخبار من الشرفاء والمسلمين، وشيوخ خولان المستبصرين وكان من خلاف أهل درب ظالم ما علمه الناس، فتقدم إليهم العسكر المنصور من أبطال خولان ومن ضامّهم من القبائل فلما نزلوا بساحتهم بالغوا في الإعذار إليهم والاستنابة فأبوا إلا الكراهة للحق ونفاراً عن المحقين، فحاكموهم إلى الله سبحانه بالحرب فقضى لهم عليهم فلما كان في ليلتهم طلبوا الأمان من الأمير علي بن المحسن رضي الله عنه فأمنهم وأعطاهم رايته التي ذكر أنها راية أمان من عماد الدين على نفوسهم ودمائهم دونما في الدرب من كراع وسلاح، وطعام وأنعام، وقد كان الأولى للقاضي أن يتثبت في رواياته إن كان غرضه الحق، وإن كان غرضه المسافاة بالرماد فعرض ببذاء لسانه وصلابة وجهه، وقلة المبالاة بالصالحين، ليبلغ مراده الذي لا يفوز به في دنيا ولا آخرة ولا بد عند حضور الداعين إلى الله إن شاء الله من إحضار الصالحين ممن يعلم صحة هذه الحكاية، وحقيقة هذه الرواية، وما كان سلامة أهل درب ظالم من القتل إلا بالله سبحانه وبعناية عماد الدين الذي طعن عليه عناية أخلصها لوجه الله، ومحبة خولان لأهل البيت عليهم السلام وتقيدهم لهم فجزاهم الله سبحانه خيرا، ولا بد أن يمر في كلامنا إن شاء الله ما يدل على جواز تغنم أموال الفجار من الفاسقين بالبرهان، ولا يضر عناد أهل الطغيان ومقابلتهم بالإنكار والعصيان.(1/693)
فأما ما ذكره من فعل الهادي عليه السلام في أهل أثافت، وعبد الله بن الحسين رضي الله عنه في أهل عفارة فعندنا أن ذلك جائز، وللإمام أن يمسك عن تغنم أموالهم ويحرم ذلك على عسكره ويحرم بتحريمه قال تعالى: ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ?[النساء:59] والإمام هو ولي الأمر منا ومعلوم أن القاضي دونه ويجتهد في تحليل أمر فيحل للمستفتي باجتهاده، ويحرم أمراً آخر فيحرم على المستفتي باجتهاده، وإذا أقدمت الرعية على ما حرمه الإمام فلا عجب أن يتجرع الغصص ويهم باعتزالهم لأن الأمر لا يصلح بهم إلا ما كان الغالب عليهم الطاعة وإن وقعت المعصية نادراً وقد نهب العسكر قرية السوق بجوف دعام فأمرنا برد الدقيق والجليل، والكثير والقليل، وكذلك في مبين، وضاقت صدورنا والقاضي حاضر ولعله قد نسي ذلك بطول المدة أو لحدوث هذه التوبة من طاعة إمام الهدى والإنسان بمعرض النسيان.(1/694)
وأما ما ذكره من أهل السبيع وحركان، ومنعه من أعلافهم فذلك الامتناع على العسكر عند النهي مستحق وفي هذه السنة في ذلك المكان أعني السبيع منعنا العسكر من أعلاف كانت في البرية فذكر أهل العلف أنهم يسامحون العسكر فيما قد كان معهم فلم نوسع لهم في ذلك وأمرنا برد الجميع وأمست الخيل في يافث منها ما لم تقلع له لجام إلا على يسير من الطعام، وفي بعض المواضع نطالبهم بالعلف، ولعل القاضي علي بن نشوان يعلم مبيتنا في المخادر ونحن صادرون إلى كوكبان، وما لقيناه بها من الضر والهوان فحاولوا أهل القرية أن يهبوا لنا من زرائعهم فكرهنا ذلك عليهم رحمة لهم، فكان باطنهم خلاف ظاهرهم وأمست الخيل كما يعلمه الله فلما فارقناهم صب الله عليهم سوط عذابه فخلت منازلهم، وعمرت مقابرهم، ومات أكثرهم دون غيرهم من أهل البلاد، وجاء من بقي منهم تائباً يسأل العطف فعطفنا عليهم، ودفع الله عنهم النقمة، وكذلك في مراحنا من اليمن منعنا من الأعلاف في غير موضع، وذكر. ما هذا حاله يطول شرحه وعملناه لله سبحانه فلم نكن نحب ذكره لكن ألجأت الضرورة إليه، وليت شعري هل كانت خيل الهادي عليه السلام تأكل الحبوب والأعلاف أم لا، وهل كان إذا خرج إلى بلد يحمل معه الأتبان أو كان يشتري فما قوله إذا عدم الأثمان، وكان أهل البلد يعلفون بطيبة من أنفسهم فما قوله إن كرهوا وامتنعوا أسقط مع تقدير ما قدمنا فرض الجهاد، وتعطل لأجله الأحكام، وتزال حرمة الإسلام، ما هذا من كلام أهل المعرفة في شيء أفليس أمير المؤمنين عليه السلام قدم عذراً إلى جميع جهات طرق الجيش مصدرة إلى صفين يأمرهم(1/695)
بالانتباه والاحتراس من معرة الجيش، ويبرأ إلى الله مما يصلهم من ضر العسكر إلا أكلة المضطر وفي حديث آخر: ((من شبعة إلى جوعة)) إلا أن يكون هذا لم يصح للقاضي فكم من مشتبه لديه عنده غير صحيح، ثم أتبع ذلك أرشده الله فصلا قال فيه ثم كان منه قتل الأمير يحيى بن أحمد بن سليمان أسيرا على فراشه، متغذيا شرابه ومعاشه، قال وكثرت الأقاويل وجعلنا على الأميرين الفاضلين التعويل، فصوباه فيما فعل، وقلنا عسى ولعل، ووكلنا الأمر إليهم، وحملنا ما دخل في النفوس عليهم، قال واعتذر عبد الله بأنه سم نفسه، وإن أحدا ما مسه، ثم أمر بدفنه، قال فدافعنا عنه دفاع الواثق به مع الاستيحاش من كذبه هذا أحد إيراده وعقبه باحتجاجه وذكر سير الأئمة عليهم السلام الذي علم الله سبحانه محيط بباطن اعتقاده فيهم
ومن محن الدنيا على المرء أن يرى .... عدوا له ما من صداقته بد
الكلام على ذلك: إن الله سبحانه إذا أراد خذلان عبده وكله إلى نفسه، وسلبه توفيقه عقوبة له على فعله، فكان هلاكه بيده ولسانه، ?وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ?[فصلت:21] شهد بفضل الأميرين الفاضلين الداعيين إلى الله وأنهما أعرف وأطرف وذلك حق كله ولولم يتكلم به لمقته إهابه وثيابه قبل مقت الناس، ومقت الله سبحانه قبل ذلك كله فما بقي له من الاحتجاج بعد هذا إذا قد صوبه من هو أعرف منه بشهادته على نفسه، وشهادة الناس جميعا عليه لو أنكر.(1/696)