وأما ما ذكره من الاستئثار، وكنز الدرهم والدينار، فنحن نجتنبه اليوم ويجنبناه الله سبحانه غداً كيف يستأثر بمال المسلمين من أركبهم ماله، وسوغ لهم مناله، وترك عياله عالة، إلا أن ينالهم سهم ذو الجلالة، وذلك من أقل حقوق الجبار سبحانه، وأقل القليل من شكر أياديه التي أسداها إليه، وما كان ليذكر هذا وأمثاله، لولا ما قيل في بابه من الجهالة.
وأما ما ذكره من الكنز، فإيراد خلاف المعلوم دلالة العجز.
تمنى رجال أن يعيبوا محمداً .... فقالوا كذوب وهو أصدق صادق
خذلهم الحكيم سبحانه، حتى ذكر بما شانهم وما شانه.
وأما ما ذكره من كونه للصغير أبا شفيقا، وللكبير أخا رفيقاً، فقد كان ذلك والحمد لله لولا الشفقة على الصغير، والأخوة للكبير، ما هجرنا الأولاد، وفارقنا الأوداد، والإخوان منهم معترفون بالأخوة، والصغار عند كمال العقول يعلمون نفع الأبوة، ولقد كان إخواننا من المسلمين قبل قيامنا بمنزلتكم اليوم لا يأمنون في أهل زمانهم إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فهاهم اليوم أحكامهم ماضية، وأقلامهم بالمراسم جارية، إلا أن يكون توسم القاضي أنا نداجي كافة الأضداد، ومن ركب متن العناد، فهذا قول من عدم الفؤاد، وسوى بين البياض والسواد.(1/687)
وأما ما ذكر من قسمه أنه لو أطيع لا فقد من النبي عليه السلام وعلى آله الكرام إلا وجهه فهذا وهم من القاضي والقسم فوالذي يحلف به عبد الله متنكبا طريق التحريف لئن أقبلتم إلى دين الله، وأجبتم داعي الله، لأحملنكم على المحجة الوسطى، ولا عدلت بكم منهاج رسول الله قيد الشعرة، وذلك حق وهو عليه إلى الآن، واللوم في هذا على من عصاه دونه وإنما كان يصح له أن يورد هذا بعد أن نصح من الخلق طاعته، وهي لم تصح إلى الآن وكيف تصح وهم بين رافض ومعارض، وناصب محارب، وخارجي بلسانه باغض، انتحل عقيدتهم في بغض علي عليه السلام وبغضة آله، ولم يصبر على ألم القتال وزلزاله، فهو كما قال الشاعر:
لم تطق حمل السلاح إلى الحرب .... فأوصى المطيق أن لا يقيما
فهو يحرض على حرب الإمام بلسانه، ولا يصطلي بنيرانه، فهو كما قال تعالى: ?وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ?[الأنفال:48].
فأما الروافض فنحن اليوم في عنفوان أمرهم، وأما النواصب والخوارج فقد كفى الله سبحانه شرهم، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين.(1/688)
أفليس قد أزال الإمام معظم الفسق، وهدم أركان الظلم على شقاق المنافقين، فلم يبق إلا من ينبح من موضع نائي لا يضر الذي ينابحه، أو يصيح من أمد بعيد لا يرعب المسلمين صياحه، كما قال تعالى في أمثالهم: ?فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ?[الأحزاب:19].
فأما الكلام الطويل الذي ذكره من هذا وشبهه، فما أنفعه لمن لم يمت الخذلان قلبه، ولم يتهم في التفضيل بين عباد ربه، ونقيض ما أتى من القاضي أتى من الفقيه الأمين زكي الدين، شحاك المرتدين، سليمان بن ناصر أيده الله فإنه قال في بعض كتبه لقد وفى لنا مولانا أمير المؤمنين بما وعدنا في دعوته، فجزاه الله عنا خيرا قال ذلك وفي، وقال القاضي محمد لم يف فأيهما أولى أن يتبع قول الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بكفر أو الذين استوى في غارب الدين النار والظفر، وقد قال الله تعالى في أمثالهم: ?لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ?[آل عمران:111].
قال القاضي أرشده الله تعالى فكان من شأنه أنه ولي كثيراً أو أمر أمراء ليسوا من أهل الأمانة والعفة والديانة، قال فراجعناه في ذلك فاعتل بأنه لم يجد من أهل الدين والوفاء، إلا مساكين ضعفاء، ووعد بعزل ولاته بعد القوة والارتفاع والهوة فعذرناه رجاءً للسداد عند الاشتداد، قال ورفضه كثير لذلك، واعتقدوا أن من ولاه هالك.(1/689)
الكلام على ذلك: أما ما ذكره من أنا ولينا أمراء، وأمرنا كثيرا ليسوا من أهل الأمانة والعفة والديانة، وإشارته إلى من ولينا من آل الرسول سلام الله عليه وعليهم، وقد ركب في ذلك ذنبا جسيما، وعصى ربا عظيما.
فمن أهل الديانة والعفة والأمانة إن لم يكن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ولكن يكفي في الجواب في ذلك قول الصاحب نفعه الله بصالح عمله:
أحب النبي وآل النبي .... لأني ولدت على الفطرة
إذا شك في ولد والد .... فآيته البغض للعترة
وقد كان الصواب له لو ثبت لسانه أن يقول خالفوا منهاج آبائهم في الديانة إلا أن يكون الشك عنده معترضا في صلاح آبائهم فما هي من أبي بكر ببكر، وليت شعري من القائل:
يا رب مفتخر ولولا صبرنا .... وقيامنا مع جده لم يفخر
لولا صوارم يعرب ورماحها .... لم تسمع الآذان صوت مكبر
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم حمراء الأسد: ((أنا أعلم بما رامت قريش)) من الكرة عليه وعلى أصحابه، والذي نفسي بيده لقد كانت سويت لهم ولو كروا لكانوا كالأمس الغابر.
ولقد كانت الأنصار رحمهم الله وجزاهم عنا وعن الإسلام خيرا يعترفون بالمنة لله سبحانه ولرسوله عليه وعلى آله أفضل السلام والصلاة في إسلامهم وجهادهم، وما يقع لهم في ذلك من الخير بسببه لما واليناهم فما ولينا إلا من ظهرت لنا توبته ورجونا كفايته.(1/690)
أما الكفاية فهم أهلها لمكان الرئاسة والسياسة، وأما التوبة فبابها مفتوح، وأما جرمهم فإن كان لاستهلاك مال فقد تأولنا فيمن أخذ أموال الله سبحانه بالتأويل والأدهان، وشرى بها الأطيان، ولم نفعل إلا ما يجب بأوضح برهان، ولم تكن توليتهم في الأصل خطأ فيفتقر إلى جواب وإنما ظهر منهم خلاف ما كان يرجى فيهم كما ظهر في السائل ووفينا بما وعدنا.
وأما ما ذكر من أهل الدين والوفاء، وقولنا: إنهم ضعفاء فلا شك أنهم على نوعين ضعيف وقوي فقد ولينا الأقوياء ما يقدرون على ولايته، وعذرنا في الضعفاء هدي أخذناه من أبينا خاتم المرسلين صلوات الله عليه فإنه قال لبعض أصحابه رضي الله عنهم وقد سأله الولاية فقال: ((إنك ضعيف وهي أمانة))، فلم يكفه مجرد إيمانه ما لم يكن قويا.
وأما قوله رفضه كثير لذلك، واعتقدوا أن من ولاه هالك، فما رفض ذلك اليوم واليوم إلا من دخل في الإسلام تقية، وأراد التقية خوفا من ظباء المشرفية، وعجزا من المقاومة بالحجة الجلية، فلما أحسوا بحركة كثير من العوام ظهر مكتومهم، وانتثر منظومهم، وتذيذبوا عند اختضاب الأعلام بدم الطغاة الأعتام بين نفاق ووفاق لقيام الحق على ساق، وما ذلك على الله بعزيز.
قال أرشده الله ثم صاحب قوما من الغز فتعدى عليه دليم، وقال من لم يتهمه: فهو مخط وفوق كل ذي علم عليم.
الكلام على ذلك: أنه قد أجاب على نفسه بقوله: ?وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ?[يوسف:76] ومن تعدى فإنما يتعدى لعلة غفلة، وقلة خبرته بالشريعة الشريفة وجهله.(1/691)