قال أرشده الله: وابتهجنا بإجماع الكلمة، وإرعاب الظلمة، قال واشرأب الجميع إلى دعوة وردت منه فيها مواعيد، إن ساعدت بالوفاء فأهلها مساعيد، وعد فيها العفة والزهد، وإبلاغ المناصفة للمسلمين بالجهد، لأنه لا يتخذ دونهم بواباً، ولا يجعل بينه وبينهم حجابا، وأنه يعدل في الرعية، ويقسم بالسوية، ولا يرضى لنفسه استئثارا، ولا يكنز من مال الله درهما ولا دينارا، يكون للصغير أبا شفيقا، وللكبير أخا رفيقا، وأقسم بالله إن أطيع لا فقد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا وجهه.
قال مع كلام طويل فيه هذا وشبهه .
الكلام على ذلك: قال أرشده الله: وابتهجنا بإجماع الكلمة، وقد اجتمعت فالحمد لله، وبإرعاب الظلمة وقد أرعبت وهزمت بمنة الله، وما ذكره من مواعيد الدعوة فقد كان واعدها أصدق من القطا ما استقر به قرار ولا ألفه وطاء دون أن أذلت شياطين النفاق، وخضعت في جميع هذه الآفاق.
وأما ما ذكره من العفة والزهد فبر هان ذلك ظاهر، لمن لم يكن لعقله مكابر، وكيف لا يعف ويزهد عن الحرام من معرفته بباطن أمر الدنيا أبلغ من معرفة أكثركم بالظاهر، لم يرتضع أباريقها في ريعان الحداثة، فكيف وهو في أوان الإكتهال يعرفه من عاشره برفض جانبها، وإلقاء حبلها على غاربها.
دنيا تخادعني كأني لست أعرف حالها .... بسطت إليّ يمينها فرددتها وشمالها
حظر الإله حرامها وأنا اجتنبت حلالها .... ورأيتها محتاجة فوهبت جملتها لها(1/682)


والله ما أعلم من يوم ملكت رشدي، وميزت هزلي عن جدي، أني اتبعت فيها طعاماً بالجور، ولا رددت مطعوماً قدم إليّ تأنفاً وعفة، ولهي عندي أحقر من القمامة والجيفة، قد قنعت منها بوجبة العشاء وشربة السحر، واستبدلت في أكثر لياليها لعلاج هذه الأمة السهر بالنوم، ألبس الثوب الرفيع الذي يجوز لي لباسه لله، وأتركه لله، وكم موقف أحجمت فيه الشجعان بسطت فيه يدي ولساني بمقال وفعال، غضبت لله سبحانه فغضب لي، فما نازعني منازع إلا جعل الله تعالى بلطفه كعبه الأسفل، وخده الأرذل.
وأما ما ذكر القاضي أرشده الله من المناصفة للمسلمين بالجهد فأقرب الأدلة إلى الإنسان نفسه، والقاضي أبقاه الله يعلم أنا قمنا هذا المقام، والشيعة مجمعون على أنكم من الخوارج، ويروون عليكم وعلى أبيكم الذي هو أصلكم وأنتم فرعه في انتقاص أهل بيت محمد وسبهم، وأن أباكم هجى إمام عصره أحمد بن سليمان رضوان الله عليه بعدة أشعار منها قوله:
عجائب الدهر أشتات وأعجبه .... إمامة نشأت في بيت خذروف
ما أحمد بن سليمان بمؤتمن .... على البرية في خيط من الصوف(1/683)


وغير ذلك مما لا يخرج ممن له في الإسلام نصيب، فلما أظهرتم لنا التوبة والإنابة، وصار منكم كاتب ملازم، وداع على المتأولين ناقم، قبلنا ما ظهر، ولم نكشف ما استتر، وأشركناكم في الأمر، وميزناكم عن البدو والحضر، وألزمناكم ضمانة، فيما حملناكم من الأمانة، فمنكم من أخذ ما جمع بشهادة القاضي محمد بخطه ليشتري به فرساً للجهاد، وشن المغار لحرب الأعاد، ومنكم من استوعب ما جمع لمواعيد وعده بها أمير المؤمنين أو عبد الله إن كانت هذه اللفظة عند القاضي مجهولة، وعروتها محلولة، وفي خلال ذلك الكتب متواترة، بأن خولان قوم حمير، وأنهم لا يسلمون من العشر عشيرا، فصدقنا القضاة في أمر نفوسهم وخولان، وقلنا هؤلاء قوم يعتزون إلى الإيمان، وحملناهم على أودهم حتى نجم شقاقهم، وبان من الطاعة إباقهم، فهل للمسلمين مناصفة أعظم مما ذكرنا أن يرفع قدر من دنى منهم إلينا، وأظهر التحيز على ديننا وعلينا، ولم نكشف على نفسه سترا ستره الله سبحانه بطاعتنا، ولم يبدلها خيرا بممعصية الله سبحانه ومعصيتنا، ولم يدخل في أمرنا هذا ممن كان نافراً عن ودادنا، ومخالفا لنا في اعتقادنا، إلا آل نشوان والمطرفية، فكلهم عند إقباله جعلنا له على أبناء جنسه مزية، وعاودهم داؤهم القديم، وكنا في علاجهم من شقاهم للأئمة الهادين، كدابغة وقد حلم الأديم، إلا من عصم وهو قليل.(1/684)


وأما أتباع آل محمد صلوات الله عليه وآله المحصلون، أهل التحقيق والتدقيق، فرسان علم الكلام، وشموس أهل الإسلام، فهم على اعتقادهم ثابتون، وللطاعنين على إمامهم ماقتون، لأنهم أخذوا أمرهم في مبتدأ الأمر على بصيرة، ولم يكونوا كما حكى الله سبحانه وتعالى عن إخوان الناصبين في قوله: ?آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ?[آل عمران:72] فأولئك لا خلاق لهم في الدنيا ولا في الآخرة، وها نحن لهم معظمون، وعلى سنام الشرف مستنمون، مدارستهم محسودة، وأنديتهم مشهودة وهم لطبقات المعاندين، كالرجوم للشياطين.
وأما ما ذكره من أنا لا نتخذ دونهم بواباً فقد جهل أو تجاهل هل أنا لا نجعل على الباب من يحفظه للإشعار بالداخلين والخارجين، وهل هذا أفضل من هدي خاتم المرسلين، محمد صلى الله عليه وآله الطيبين، أفليس بوابه أنس، ولعله يقول هل بوابك مثل أنس وينسى من كان يحجبه أنس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذين لا نظير لهم في عصرنا ولكل زمان رجال، ولكل مقام مقال.
ولقد رضينا من يوسف البواب بإقامة الصلاة، والكف عن المنكرات، وفي حديث الطائر إن كان القاضي يصححه لأنه بلغنا أنه ينكر كثيراً من الآثار الواردة بفضل آل محمد صلوات الله عليه وعليهم رد علياً عليه السلام مرتين ودخل في الثالثة إنا ما أردنا بواباً يمنع عموما، وحجابا سرمدا، كما يفعله الفراعنة والمتجبرون من بني العباس، ومن يدعي الخلافة ممن ليست له.(1/685)


وأما العدل في الرعية فقد شملها ظهور أثره عليها، إلا أن عين الشقاق لا ترى كما قال ابن جعفر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة .... ولكن عين السخط تبدي المساويا
وفي مثله:
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به .... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
أفليس بلادنا التي وليناها عامرة بعد أن كانت داثرة، غلب فيها الأملاك، وكثر الملاك، وزرعت القفار والأطراف، وتكلم بذلك من أهلها الفضلاء والأشراف، ولو سكتوا لتكلم لسان الحال:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله .... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وأما ما ذكره من القسم بالسوية فقد كان ذلك والحمد لله؛ وليت شعري من تظلم إلى القاضي من أهل الديوان، المستحقين من الأعوان، أو عند القاضي أن القسمة على من أطلق عليه اسم الإسلام والإيمان، ولم يكن معيناً لأولياء الرحمن، فذلك ما لا يكون ولا قد كان، أو التبس في الدعوة الشريفة القسمة بالسوية، على مقتضى حكم الشريعة النبوية، وحكم الشريعة أن لإمام المسلمين المفاضلة إن رأى ذلك صواباً لأنه مؤتمن: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا?[الأحزاب:36] وللإمام التنفل في الغنيمة وهو نفس المفاضلة، ثم يساوي بعد ذلك فيما بقي، وهل يجحد هذا إلا جاهل أو شقي.(1/686)

137 / 170
ع
En
A+
A-