وأما قبل الدعوة بالإمامة فلقد كان بلغنا من أولئك القضاة ووالدهم من قبلهم من بغضة العترة عليهم السلام، وانتقاص السلف الصالح صلوات الله عليهم ما يعده أكثر المستبصرين كفرا، وبعضهم يجعله فسقا فإن جعلناهم في جنة العلماء نفينا ذلك عنهم، وإذا ألحقناهم بضلال أهل الأحداث حققناه فيهم، فلما تابعوا وشايعوا هدمنا ما تقدم في أمرهم من الظن والتخمين، وبنينا على اليقين، ورددنا الغيبة، ولا يزال يأتينا منهم ما يوجب الريبة، ونحن فيه بين تصديق وتكذيب
وما ينفك من سعد إلينا .... قطوع الرحم فارية الأديم
فنغفرها كأن لم يفعلوها .... وبعض العفو أذرب للظلوم
ورميك من رماك أخف وقتا .... عليك غداً وأمنع للحريم
فعملنا بمقتضى البيت الثاني وأهملنا مقتضى البيت الأخير وقلنا:
شماريخ بهلان لا تختفي
فلما طال الأمد برح الخفاء، وانقطع الإخاء، وعاد من كنا نعده لطعان الأقران الطاعنين طَعَّانا، ومن نصبناه للصلاة على سلفنا الصالحين وعلينا بإيجاب الله سبحانه لنا ذلك عليه وعلى الأمة لَعَّانا
أعددته لخطوب الدهر يدفعها .... فصار خطباً من الأحداث دفاعا
وللعدو عماداً في موافقة .... فصار للضد في الحالات نفاعا
ولو جنح للسلم جنحنا ولكنه جمح فحمحمنا.
دعوت أبا أروى إلى الرأي كي يرى .... برأي أصيل أو يعود إلى الحلم
أتاني يشب الحرب بيني وبينه .... فقلت له: لا بل هلم إلى السلم
وإياك والحرب التي لا أديمها .... صحيح وقد تدني الصحاح من السقم
فإن ظفر القوم الذي أنت منهم .... وآبوا بفضل من سباء ومن غُنم(1/677)


فلا بد من قتلى لعلك منهم .... وإلا فجرح لا يبقي على العظم
فلما أبى أرسلت فاضل ثوبه .... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
ولما رمى شخصي رميت سواده .... ولا بد أن يرمى سواد الذي يرمي
وكان صريع الخيل أول وهلة .... فأهوِن به مختار جهل على علمِ
فلما وصلت رسالة (الإفصاح)، قابلتها برسالة الإيضاح لعجمة الإفصاح، وغش منشيها لإخوانه النصاح، وأوردناها مفصلة، وتقصيناها فصلاً فصلا ومسألة مسألة، ليعلم منشيها أنه بناها على وهوم، ولتخوله أن المتظلم من المحق ظلوم، وأن فوق كل ذي علم عليم.
قال أرشده الله: بعد الخطبة البديعة البتراء، التي لم يصل فيها على النبي صلى الله عليه وعلى آله من عترة فاطمة الزهراء، وما عقبه من ذكر الغيرة، وطلبه لإعانة الحق والنصرة، فقام عبد الله بن حمزة داعياً، وجرى في ميدان الإمامة ساعياً، ولباه شيخا آل الرسول، وأعطياه من طلبه المأمول، وبايعاه واختاراه، وذكرا أنهما قد اختبراه، فركن جمهور الناس إليهما، وعولوا في الأمر عليهما، إذ هما في الشهادة مقبولان، وللقيام بالحق مأمولان، وطابقهما كثير من العلماء، نجوم في الأرض كنجوم في السماء، قال: فاطمأنت النفوس، وقرت القلوب، وظننا أن الحق غالب لا مغلوب، فبايعنا يحيى بن أحمد طول الله مدته، وحصن عن المكاره عدته، وسمعنا وأطعنا، وبذلنا في النصح لله وللدين ما استطعنا.(1/678)


الكلام على هذي الصدر وتبيين اختلاله أن القاضي قال: قام عبد الله بن حمزة ولم يقل أمير المؤمنين وأنا عنده في تلك الحال أمير المؤمنين لأنه عقب ذلك بما دل على أنه صدق الدعوى فخالف سلفه من الخوارج في علي عليه السلام وعثمان فإنهم يثنون عليهما في مبتدأ أمرهما، ويعظمون ويشدون في سبهما في آخر أيامهما، ويلجمون، وعقب ما جاء به شيخي آل الرسول، وحجة ذوي العقول، عصى موسى الثعبان المبين، واليد البيضاء للناظرين، مبطلي سحر السحرة، ودامغي رؤوس الفجرة، شمس الدين وبدره، ورأس الإسلام وصدره، يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق عليه السلام، ونص على عدالتهما في أمر جعلهما له فيه خصما، ورجم بالغيب رجما، ولو أنكر عدالتهما دمغته البراهين، وصادف أئمة عن الجرح ناهين.
ما يضر البحر أمسى زاخرا .... إن رمى فيه غلام بحجر
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله .... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب(1/679)


لكنه سلك في تجريده الاسم من اللقب المستحق مسلك قريش عام الحديبية فإنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما كتب علي عليه السلام الكتاب هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومشركو قريش قالت قريش: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: امحه يا علي. فقال يا رسول الله: ما شجعتني نفسي على ذلك. قال: فأوجدنيه. قال: فأوجدته إياه. فدعى بمقراض فقرضه وقال: اكتب محمد بن عبد الله فأنا والله رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله اسمي واسم أبي لا يبطل نبوتي، أما إنك ستسام مثلها فتعطي. فذكرها يوم صلحه مع معاوية كتب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فقال معاوية: لا نسلم ذلك. فأعطى ذلك وكتب من علي بن أبي طالب؛ وكم لأهل هذا البيت من رافض وناصب، فأنا عبد الله بن حمزة، وأنا أمير المؤمنين، وإن كره الفاسقون.(1/680)


وكان مما زاد الحق في أمر الإمامة وضوحاً، ورافضها فضوحا، ما ذكر من مطابقة العلماء للسيدين الداعيين إلى الله اللذين هما في الأرض بمنزلة النجوم من السماء، وهما الآن على اعتقاد الإمامة ثابتون، وللطاعن على إمام الهدى ماقتون، ولكن إذا أراد الله إعزاز دينه بالقهر في الدنيا خذل ضده، وإذا أراد غلبة جنده مكن من الضد جنده، فما علمت أن أحداً من العلماء الذين أخذوا هذا الأمر عن بصيرة نكص على عقبيه، أو ناكر الإمام في نعته ولقبه، أو أُتيَ الدين وأهله من سببه، ولا بد للقاضي من أحد أمرين: إما أن يكون أخذ أمره في مبتدأ الأمر عن يقين فقد رجع للشك عن يقين، وإما أن يكون أخذه تقليداً لمن ذكر فقد خرج عن زمرة العلماء ودخل في غمار المقلدين، فليستقم ما استقام المقلدون، فهاهم هادون إلى منهاج الإمامة مهتدون، ولا يصح أن يدعي أنه كان مقلدا، وقد عقب كلامه باطمئنان النفس وقرار القلب، والنفس لا تطمئن، والقلب لا يقر بالتقليد؛ لأن المقلد لا يأمن خطأ من قلده ولا سيما في أصول الدين، والإمامة من مهمات أصول الدين، وإذا كان على يقين في صحة الإمامة أو لا كانت هذه العوارض معرضة للزوال، مهيأة للانتقال، لا يأخذ بخبر الآحاد، ولا بالتواتر في الأفعال، التي هي ميدان الاحتمال، فتفهم ذلك موفقاً فإنه محض الإنصاف.(1/681)

136 / 170
ع
En
A+
A-