سأل أيده الله: عن رجلين بينهما فرس وهي يد أحدهما، ثم باع أحدهما نصيبه من رجل بعدولها بلداً ثانية أو من رجل من الجند لا يشفع شريكه لحقه معه وكان البيع بغير إذن الشريك، وسلمها المشتري من غير إذن الشريك ولا إجازته ولا قائل بين شريكه وبين من باع منه، ثم تلفت في يد المشتري هل يكون الشريك متعديا ببيعها وتسليمها بغير إذن صاحبه وشريكه ويكون ضامنا لحق شريكه أم لا يكون ضامناً ولا متعدياً؟ وهل فرق بين أن يكون الشريك غائباً عند البيع أم حاضراً ولم يستأمره أو لا فرق في ذلك؟
الكلام في ذلك : أن من باع نصيباً من فرس على الصورة التي ذكرها السائل أيده الله تعالى فإنه يكون متعديا على نصيب شريكه ويضمنه، ويدخل ذلك تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) ولم ينف صلى الله عليه وآله وسلم وقوعه ضرورة، وإنما نفى أحكامه وإلا تعرى الخبر النبوي عن الفائدة وذلك لا يجوز، فهو يكون والحال هذه كالمتلف لنصيب شريكه أو في حكم المتلف له، وأحكام ما يجري مجرى التلف يحكم عليها بحكم التلف شرعاً ذلك في الفقه الشريف؛ فإن كان شريكه حاضراً فلا حكم عليه لأنه يتمكن من استيفاء حقه أو بالمشافعة إلا أن يبيعها ممن لا يتمكن شريكه من استيفاء الحق منه فإنه يكون والحال هذه ضامناً لأنه لا فرق بين حضور شريكه وغيبته في هذه الصورة فاعلم ذلك.(1/672)
وسأل أيده الله عن رجل وقف داراً أو حانوتاً على آل بشر فإذا انقرض آل بشر فهي وقف ضعيف صعده، وأقام آل بشر يستعملونها مائة سنة أو أكثر حتى لا يبقى منهم سوى امرأة واحدة، ثم أحضرت قوماً وأشهدتهم أن جدها الأول وقف ذلك عليهم فإذا انقرضوا كان وقفاً على ضعيف صعدة ولا حق لأولادها فيها، ثم ماتت وطلب أولاد المرأة أخذها دون الضعيف هل لهم فسخ الوقف أم لا؟ وهل لهم أن يأخذوها دون من وقفت عليهم أم لا؟
الكلام في ذلك: أن هذا الوقف صحيح وهو على آل بشر، وأولاد المرأة يلحقون بهم في الحكم، وقول المرأة لا يكون شهادة وإنما يكون إقراراً، وإقرارها لا يكون إلا فيما يؤخذ منها ما في يدها أو بعضه، ولا يقبل إقرارها على أولادها فقولها لاحق لأولادها لا حكم له، وأولادها يرثون عنها ما كان لها؛ فإذا انقرض أولادها وأولاد أولادها رجع إلى ضعيف صعدة لأن منافع الوقف تجري مجرى الأملاك في أنها تورث، وذوو الأرحام يرثون إذا عدم العصبات وتابعهم، والسائل أيده الله يفهم الإشارة ولكنا فهمنا من سؤاله في هذه المسألة أنه يريد الإيضاح لوقوع النزاع واللجاج، وقوله أنها لآل بشر يدخل أبناء البنات معهم شرعاً كما نعلمه في سائر الأحكام والأملاك؛ فهذا ما توجه في هذه المسائل على تراكم الأشغال، وشدة أعمال، ومن الله نستمد التوفيق والمعونة
والسلام على كافة المسلمين ورحمة الله وبركاته
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم(1/673)
رسالة الإيضاح بعجمة الإفصاح جواب مطاعن القاضي محمد بن نشوان من الأئمة عليهم الصلاة والسلام
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
الحمد لله فاطر السماوات والأرض العزيز الحكيم، المفاضل بين عباده عدلاً وتكليفاً، والمباين بينهم تسديداً وتحقيقاً، فهم بين مالك ومملوك رقاً وحكما، وفاضل ومفضول مالاً وعلما، وجعل بعضهم لبعض فتنة، وأمر بالصبر واختار المحنة، وصلى الله على محمد المخصوص بالحكمة، المؤيد بالعصمة، المنتقى من صفوة خلاصة العرب، المحروس من كل عرق مشوب، وعلى آل بيته مصابيح الدجى، وأعلام الحجى، ونهاية الرجا، الذين جعلهم قادة للمسلمين، وأدلة إلى معالم الدين، وجعل حبهم دلالة الإيمان والمؤمنين، وبغضهم علامة الفسق والفاسقين، وجعل لكل نبي من آبائهم صلوات الله عليه وإمام منهم عليه أفضل السلام في كل أوان عدواً من المجرمين، هم عليه بمنزلة الرجوم على الشياطين، يذهبون ببراهينهم شبهات المبطلين، وينفون ببراهين علومهم تحريف الجاهلين، وذلك ثابت فيما رويناه بالإسناد إلى الصادق الأمين، سلام الله عليه وعلى آله الطيبين أنه قال: ((إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام ولياً من أهل بيتي موكلاً يعلن الحق ونوره ويرد كيد الكائدين)) فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله.(1/674)
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((في كل خلف من أهل بيتي عدول ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)) حرم الجنة على من أبغضهم بأمر الله، وحكم بالكفر على من شتمهم بوجه فقال فيما رويناه عنه بالإسناد الموثوق به: ((من كان في قلبه مثقال حبة من خردل عداوة لي ولأهل بيتي لم يرح رائحة الجنة)) وقال فيما أوجب به لنا الحجة، وأكمل علينا المنة مصرحاً فينا ولنا: ((قدموهم ولا تقدموهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم فتضلوا، ولا تشتموهم فتكفروا)) جعلنا الشهداء على عباده، والأمناء في بلاده، والحكام على خلقه ?أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا?[النساء:54].
أما بعد .. فإن المفتون المغبون من نازع في الأمر أهله، ونافس الفضل محله، ويرجم من قعر بئر لثلم شمارخ بثبير، يتنكب منهاج السلامة بزعمه ليسلم، ويقبل قول من لا يعلم فيمن يعلم، يطلب الأمن بهتك حرمة الإيمان، ويستفتح الربح من طريق الخسران، فكان كمهريق الماء لضحضاح السراب والمستبدل بالصارم أخلاق القراب، ونابح البدر تأسياً بالكلاب.
ما ضر تغلب وائل أهجوتها .... أم بلت حيث تناطح البحران
أنشأ بمبلغه من العلم نصحه إلى الإخوان يردها من آمن، ويقبلها من مان فلينظر من فارق ومن وافق:
أثكلها قد ثكلته أروعا .... أبيض يحمي السرب أن تفزعا(1/675)
ولما وقفنا عليها وجدناها قد ملئت مينا وزورا، جعله منشئ الرسالة في الكتاب مسطورا، يلقى به يوم القيامة كتاباً منشورا، (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)، فلولا أنه حقق تعديل من نقله إليه لحسنا الظن فيه، وكنا غير عارضين له لأنه وجه الكلام إلى غيرنا، ولكنا علمنا أن مسائل كلامه مبنية على الحكايات التي حكاها رواتها، ومال فيها سعاتها، أو كانت محرفة عن بابها، منفية عن نصابها، كما قال تعالى في إخوانهم ?يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ?[المائدة:13] أو كان لها وجه جهله الراوي ومن روى له، ولم يعرف واحد منهما وجوهه ولا علله، فأردنا أن نكشف لكل مسلم متبصر وجه تلك المسائل، ولا نيأس أن يرجع إلى الحق السائل، إن كان بما قال من البرهان عاطل، وقد كان أولى له إن كان يروم إيضاح منهاج الحق وسلوك سبيل السلامة، أن يزور إمامه، قبل رفضه للإمامة، ويجرد للسؤال حسامه على أعيان الخاصة والعامة، فإن جاء بشيء مبين، وأخرج حجة بيضاء للناظرين، كان مما ارتكب على يقين، وسلك سبيل المتقين، وإن رده الحق إلى الصواب، كان قد تعلق بأقوى الأسباب، فلو كان إمامه قبل فيه نقل الناقلين، وصدق قيل القائلين، من أول المدة لنزله منزلة أمثاله من الرافضين، ولم يجعله لدين الله من الحافظين، ولكنه اتبع ما وجب من حمل ظواهر المسلمين على السلامة، وتلقى قول القائلين منهم للحق بالقبول والكرامة، وإلا فعزيز عليه أن يناقض أحدا من المسلمين، أو يخاطبه بخطاب المجرمين.(1/676)