والذي يجب في مثل هذا أن ينقض، ويرد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى المقرر من دين الله تعالى لأن أول الوقف بئر رومة وقفها عثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقرر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوقف وتقريره سنة، ثم أدراع خالد وأسيافه حكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خروجها عن ملكه، وسقوط الصدقة عنها لأنها موقوفة لله تعالى وفي سبيله؛ فهذه الأصول ترجع إلى القربة المحضة، وقد حكيت أنت أصول الأئمة عليهم السلام في ذلك، وحكيت منهم أكثر مما حكينا فتأمل ذلك وسواء كان الوقف بعد العين أو في حال الحياة أو في حال الصحة أو في حال المرض فلا يختلف حكمه أصلاً، ولو أنه وقف عن الديون على ورثته ذكورهم وإناثهم على سهام الله تعالى لكان باطلاً، وسواءً كان الدين لله تعالى أو للآدميين فاعلم ذلك لأنه عصى الله تعالى في وقفه بمرامه لإسقاط حقوقه تعالى أو حقوق عباده.(1/667)
مسألة الهادي عليه السلام
فيمن وقف المال على أولاده ولأمرأته دين فأثبت في مجرد قوله دينها وإرثها، وإنما جعله وقفاً أعني الإرث؛ فأما الدين فمن رأس المال وجعل الدين من رأس المال ينقض الوقف فتأمل ذلك؛ لأنه لو خرج عن ملكه بالوقف لما تعلق به الدين ولا كان له حكم، وأولاد البنات أولاد لغة وشرعا لا سيما على مذهبكم يا معشر الزيدية، وقد طال الاحتجاج في ذلك من علماء الزيدية، واحتجوا بقوله: ?وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ...?الآيات [الأنعام:84] على أن ولد البنت ولد لا فرق بينه وبين ولد الابن فمن أين تعلق القربة إعطاء أحدهما دون الآخر وما قال أنهم أجانب إلا الجاهلية، وقد نهى الله عن اتباع حكمهم .
وسألت عن رجل وقف جميع ماله على المساكين، وأخرج الورثة بغير شيء هل يثبت الوقف أم لا؟ أو يثبت منه الثلث ويعود الباقي إلى الورثة؟ وإذا عاد الثلثان إلى الورثة هل يعود وقفاً أو ملكا؟(1/668)
الكلام في ذلك: أن الوقف إن وقفه على المساكين لأجل سقوط الحقوق والمظالم وما جرى مجراها جاز ذلك، وإن أخرج منه الورثة لأن هذا هو الواجب عليه وهو قربة محضة أعني وقفه وقد فعل ما يمكنه من طلب الخلاص من عذاب الله تعالى وإن وقفه عليهم تقرباً إلى الله تعالى وتقرباً لما عنده وترك ورثته كان الوقف مختلاً باطلاً لأنه لا قربة فيه؛ وإنما القربة أن يقوم بأولاده ومن يلزمه أمرهم الأقرب فالأقرب، وبعد ذلك الصدقة على الأبعد لأن الأقرب أولى، نص على ذلك الرسول، ويكون الكل إرثا لا وقفاً فإن جهل حال الموصى في هذه المسألة حمل أمره على السلامة والصحة وأنه ما وقف ذلك على الفقراء والمساكين إلا لما لحقه من الحقوق فيحمل على الصحة ويثبت حكم الوقف، وإن علم قصده وأنه يريد إيثار المساكين، ويزعم أن ذلك قربة بطل الوقف ولم ينبرم لأنه مناف للقربة، وصدقته على ذوي أرحامه وأقاربه هي التي ورد الشرع الشريف بالندب إليها والحض عليها قال تعالى: ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?[الإسراء:26] وهذا قبل كل أحد؛ فإعطاء الأجنبي خلاف السنة وإعطاؤه ومنع الأقرب مناف للقربة.(1/669)
سألت عن رجل باع من رجل بهيمة أو جارية ولم يقرها المشتري، وأقامت عنده مدة طويلة سنة أو دونها، وأراد المشتري ردها بأنه لم يعرفها، وقد استخدمها المشتري وعلف ولم يرد ولم ينكر إلا بعد طول المدة هل يكون للرد بخيار الرؤية مدة معلومة أم لا؟ ويكون له يرد بترك الغرة أم لا، طالت المدة أو قصرت؟ وإذا كانت البهيمة قارحاً أو كبيرة لم يعرفها، هل يكون له رد مع لزمها مدة طويلة أم لا؟ أو يكون له الخيار في ثلاثة أيام فقط؟
الكلام في ذلك: أنه لا خيار له إلا في ثلاثة أيام، فمتى مضت ثلاثة أيام ولم يردد لم يقبل قوله: إني لم أعرفها إلا أن يدلي بحجة تقوم له بها بينة تصدقه، أو عذر حال بينه وبين ذلك، وإلا فلا يقبل قوله في ذلك أصلاً سواءً كانت كبيرة أو صغيرة؛ فالحكم في ذلك واحد لأنه بالتمكن كأنه أتي من قبل نفسه ولولا ذلك لما استقر حكم في بيع فاعلم ذلك موفقا.
وسأل أيده الله عن رجل ضارب رجل في مال، وأقام المضارب يعمل فيه، ثم احتاج رب المال وطلب قماشه، وامتنع المضارب وقال: قد شريت بها بضاعة يقع الخسارة فيها، وأنا لا أبيعها إلا بربح، ورب المال مديون محتاج ليس معه سوى هذا المال هل يحكم على المضارب ببيعه ويسلم قماش صاحب المال إليه أم لا؟ أم يكون للمضارب لزمه وتجري الفائدة فيه طالت المدة أم قصرت، كثرت حاجة رب المال أو قلت؟ وإن كان للمضارب تحري المصلحة في يده لم تكن المدة طويلة أم قصيرة؟(1/670)
الكلام في ذلك: إن رب المال إذا احتاج إلى ماله لقضاء الدين أو لنفقة على نفسه وأولاده كان ذلك عذراً في نقض مال المضاربة لأن عقد المضاربة لا يكون أقوى من العتق فعتق المدبر ينتقض بحاجة سيده لقضاء دينه وما جرى مجراه؛ فإن قال: أتحرى الفائدة وقد عنيت وتعنت في طلب البيع والشراء كان أطول مدة ينتظر فيها الفائدة ويحكم له بها ويضرب الأجل أربعين يوماً لا غير؛ فإن حصلت له وإلا باع وسلم مال المضاربة أو سلم البضاعة بعينها؛ فإن اتهمه صاحب المال وقال: هذا بدون مالي حلف العامل بالله أن هذه البضاعة شريتها بمالك من غير نقصان، وما جنيت ولا ماليت خائناً؛ فهذا ما يتوجب في هذه المسألة على قدر احتمال الحال.
وسألت عن رجل باع جربة واستغلها المشتري مدة طويلة، ثم استحقت على المشتري وطالبه المستحق للعين بالغلة ودفعها وأراد المشتري الرجوع على البائع بالقيمة والغلة التي قد استغلها هل يلزم البائع شيء من الغلة وقد استوفى المشتري ما في مقابلتها أم لا يلزمه إلا الثمن ورده فقط؟ وهل إذا ضمن البائع للمشتري ما يلحقه فيها من غلة وسواها يلزمه ذلك بضمانته أم لا؟
الكلام في ذلك: أنه إن ضمن له ما لحقه بسبب عقد البيع لزمه ما لزم المشتري في الغلة من الحكم لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الزعيم غارم)) وإن لم يضمن له لم يكن عليه إلا رد الثمن لا غير لأنه الذي صار إليه وفي ضمانه وذمته؛ والغلة شيء آخر فإن استحقت كان عليه رد الثمن دون ما سواه.(1/671)