فأما فيما الظاهر خلافه فلا يجوز، وإن جاز أن يكون صحيحاً فيما بين الفاعل وبين الله سبحانه، كما أنك لو مررت بإنسان يسرق من متاع آخر شيئاً يأكله فعليك الإنكار، وإن كان من الجائز أن تكون الضرورة قد انتهت فيه إلى حال يجوز له تناول مال الغير بنية القضاء، والظاهر ممن يجعل الثلث للذكران أنه ما يريد إلا إيثارهم دون سائر الورثة، وقد ورد الشرع بالنهي عن الإيثار فبعد عن باب المباح، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه غير حق، والمباح حق، وغير الحق هو الباطل.
وقوله: لا يقفون إلا ما يجوز وقفه وهو الثلث فقد تقدم الكلام في ذلك أن الثلث إذا خرج عن باب القربة لحق بالثلثين، وإذا أثبتنا الوقف على غير القربة خرج من باب الوقف لأنه لم يبنى على الصحة في الأصل فكان قوله: وقفت مالي على الكانس مثلاً لله تعالى غير صحيح في الأصل.
وقوله: لله لا حكم له لأنه لا يكون لله إلا ما كان لله فيه رضاً، ويكون هذا في ضرب المثل كما روي لنا عن بعض المطرفية أقماهم الله كذبت كذبة لوجه الله، بل لو وقف ماله على القبور ما لم تكن قبور الأئمة والصالحين فإن ذلك لا يصح فكيف يصح ما هو أدخل من ذلك في باب الكراهة بل الحظر فتأمل ذلك موفقاً.
قال أيده الله في قولنا لما سألنا عن الوقف على الذكر دون الأنثى: أن ذلك باطل لا أصل له في الإسلام فضلاً عن أن يكون قولاً لأحد من الأئمة عليهم السلام هل يريد بذلك أن الخلاف حدث بعد انعقاد الإجماع فلا حكم له أم المسألة مسألة خلاف؟(1/662)


الكلام في ذلك: إنه لا أصل له في النصوص ولا في قول السلف رضي الله عنهم، فهذا معنى لا أصل له وإن الإجماع منعقد على أن الوقف لا يكون إلا قربة، وإثبات من أثبت الثلث من الأئمة ليس إلا لتوهم أن ذلك قربة فإذا بطل كونه قربة بالدليل كانت المسألة وفاقاً أن لا وقف فيما تلك حاله، ونحن بعدنا عن الأئمة عليهم السلام أن يثبتوا من الوقف ما لا قربة فيه، وقد كنا علمنا أن جعل المال للذكر دون الأنثى حكم الجاهلية، وحمدنا الله تعالى على حكاية القاضي الحسن بن علي بن محمد بن أبي النجم فإنها طابقت ما قلنا عن غير مواطأة ولا علم بها فذلك يقوي القول ويشفعه.
قال أيده الله: وقد نص أئمتنا عليهم السلام أنه لا يصح الوقف على البيع والكنائس وعلى سائر ما لا قربة فيه من محظور أو مباح محض، وكذلك الوقف على أبنية القبور وعمارتها لأن ذلك خلاف السنة إلا أن تكون مقابر الأئمة والصلحاء.(1/663)


الكلام في ذلك: إن هذه الحكاية هي أصل ما ذهبنا إليه، وفي الحكاية عن الأئمة عليهم السلام وعلة المنع من الوقف الذي منعوا منه لأنه خلاف السنة فهل في السنة يرحمك الله إيثار الذكور على الإناث أو وقف المال لئلا تقضى منه الديون، أو لأن لا تأخذ المرأة المال بدينها وإرثها ما هذا من السنة في شيء، وعمارة القبور أدخل في باب الجواز من منع الغريم قضاء دينه، وقد ورد في المطل الوعيد، وإذا قد تقرر مذهبهم عليهم السلام المنع من الوقف، متى فارق القربة، ومتى خالف السنة، ومتى كان في مباح محض فهل رأيت أصولنا تجاوزت هذا القول فانظر في ذلك فما وجدت من قول الأئمة عليهم السلام خارجاً عن هذا الباب فهو منقوض بقولهم عليهم السلام؛ لأن الفروع يجب ردها إلى الأصول، وقول يحيى بن الحسين عليه السلام ينقض بقوله لا بقول غيره إذ لا سلطان للغير عليه، ولا سبيل له إليه؛ وإنما يرد فرع قوله إلى أصله كما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد قوله إلى كتاب الله، ويرد مجهول قوله إلى معلومه.(1/664)


وهذه المسائل عن الأئمة عليهم السلام لا توجب كون المسائل خلافاً فيما أراه لأن أصلهم واحد في أن الوقف لا يكون إلا قربة والذي به منعنا من الوقف على تلك الصورة هي هذه العلة، وإن سلمنا أن وقف الثلث قربة حكمنا بجوازه ووجوب إمضائه، وإنما نقول يجوز أن يقع السهو عن المسألة والمسائل ويبنى الآخر على قول الأول لمثل تلك العلة، وإنما يقع الخلاف في المسألة متى علل أحد المجتهدين بعلة وعلل الآخر بعلة أخرى؛ فهذه مسائل الخلاف ويبقى النظر في ترجيح العلل كأن يعلل أحد المجتهدين بأن علة الربا كون هذا مطعوم جنس، ويعلل الآخر بأن هذا مكيل جنس؛ فأما إذا كانت العلة واحدة فلا يتحقق الخلاف في ذلك، وقد ثبت إن العلة في صحة الوقف القربة لأنه لا يوقف إلا لله ولا يقبل الله تعالى إلا ما يرضى ولا يرضى إلا القرب فتأمل ذلك تجده على ما قلنا.
سأل أيده الله عمن يقف شيئاً من ماله على أنما يحصل فيه من غلة لعمارة بداره الفلانية، ثم ما بقي منه كان على ورثته الذكران دون الإناث هل يصح أم لا؟ وهل فرق بين أن يكون الثلث فما دونه أو يكون أكثر ؟
الكلام في ذلك: قد تقدم وهذا وقف لا يجوز ولا يصح لأنه خارج عن باب القربة كما قدمنا، فما وقف شيء من المال لعمارة الدار فإن كانت وقفاً صح ذلك، وإن كانت غير وقف لم يصح لأنها تصير لبعض الورثة بالقسمة مثلاً فيستحل الوقف أو يباع في الدار أو غير ذلك.(1/665)


سأل أيده الله: عن رجل وقف ماله بعد عينه شيء أقل من الثلث، وأخرج منه أولاد البنات وقلنا لا عذر من فسخه هل لهن فسخه أم لا؟ وهل يكون وقفه بدون الثلث بعد عينه وصية تخرج من الثلث ويصح الوقف فيه ولا اعتراض فيه لأولاد البنات لأنه وصية أم لا؟
الكلام في ذلك :اعلم أيدك الله بتوفيقه أنا قد قررنا أصلا نرجع إليه في جميع ما يتفرع من هذه المسائل بحيث لا يشذ شيء منها عن الأصل الذي أصلناه، وقد بينا لك أن الوصية لها باب مفرد وكذلك الهبة، ولا تعلق لشيء من ذلك بباب الوقف إلا ما شاركه في حقيقته، وبينا أن الوصية تجوز للذمي كما تجوز للملي وتجوز، وإن كان لا قربة فيها، ولا كذلك الوقف فلا يصح الوقف بسهم من ألف سهم إن كان غير قربة ولا ينبرم، فإن كان وصية فله باب آخر أحكامه معروفة، وليس من هذا في شيء، وما تقدم من المسائل فإنما هي صورة وليست بأدلة ولا علل فلا يصح عليها القياس، ولا أجري الحكم بشمول حكم الدليل لأنها ليست بدليل ولا علة وإنما هي صورة موضوعة ينبغي أن ترد إلى حقيقة معينة ليثبت لنا الأحكام عليها فهذا ما ينبغي أن ننظر.(1/666)

133 / 170
ع
En
A+
A-