قال أيده الله تعالى: ثم وصل الهادي إلى اليمن وفيه قبائل همدان وخولان، حرموا البنات ومنعوهن ما حكم الله لهن به من الميراث، وأخرجوهن، وجعلوا ذلك للذكور، وحكم بذلك قضاة البلاد، ورفع ذلك إليه فأبطله، وحكم بالثلث للذكور والثلثان تكون على أحكام الله تعالى للإناث والذكور، واستمر ذلك في حياته وبعد وفاته، ورجح رواية المنتخب وصححها.
وحكى أن القاضي علي بن سليمان الكوفي قاضي الهادي عليه السلام كان يحكم بذلك ويقول: الأصل صحة الوقف إلا أن يثبت أنه أوقف جميع المال، وصح ذلك للحاكم رده إلى الثلث، والثلثان على قوله لورثته ولهم وقفاً لا ملكا؛ وعند المؤيد عليه السلام يكون الثلثان وقفاً يجوز بيعه وشراءه .
الكلام في ذلك: أنا قد بينا أن الوقف يخرج عن ملك الآدميين ولا يصير ملكاً حكماً إلا لرب العالمين، وما ذكر من رد الهادي عليه السلام لأفعالهم وحكمهم، فما ذلك إلا لأن أفعالهم خالفت حكم رب العالمين فخرجت بذلك من الدين.(1/657)


وأقول إن الهادي عليه السلام جعل لهم الثلث صلحا؛ لأن الوقف لله كما قدمنا، وما كان لله ففيه أمر الأئمة ماض لأنهم النوّاب عن الرسول الأمين صلوات الله عليه وعلى ذريته الطيبين فرأى عليه السلام أنهم لم ينقطعوا من الكل فشرع لهم الثلث وذلك جائز للأئمة الهاديين، وعليه استقرت قواعد الدين؛ فإنا أقررنا أهل الذمة على كثير من معاصي رب العالمين لما تعذر اعترافهم عن الجملة ويدلك على ذلك قول المؤيد عليه السلام يكون ملكاً لا وقفاً لأنه لم يصحح ما خالف الحق، وقول الهادي عليه السلام يكون وقفاً بجعله الفعل قربة في الأصل، وهذه الفروع طارئة بعد ثبوت القاعدة على الصحة فأثبت منها ما جوز ثبوته الشرع، ونفى حكم ما لم يجزه الشرع، وبقي الجملة على أصل الصحة.
وعندنا ما بيناه لك من أن هذا حاله فهو ينبني على غير الصحة لكونه مجانباً للقربة فلم يبن على أصل صحيح، ويدلك على صحة استدلالنا إن ما نقضوه لا عمدة لهم في نقضه إلا أنه خارج عن الحق، ومخالف لمقتضى الشرع، فإذاً الأصل واحد، وإنما يختلف النظر في الصورة المقررة، والحادثة الواقعة فانظر في ذلك موفقاً؛ فليس من القربة أن المسلم قد وطئ المرأة بحكم الله، واستحل منها ما حرم على غيره بأمره سبحانه، وفرض الله لها مالاً عليه جعله من آكد الأموال لزوماً، ثم إذا خاف ذلك وقف ماله أو يأخذ أموال المسلمين في ذمته، فإذا خاف ذلك وقف ماله وأظهر أنه لله والمعلوم خلافه، والله تعالى يقول: ?وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ?[البقرة:188] فأي باطل أعظم من هذا.(1/658)


وقد قال الهادي عليه السلام في المنتخب: ورجل وقف جميع ماله على ولده للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يدخل امرأته معهم قال: يخرج صداق المرأة من رأس الوقف، ويكون الثمن لها وقفاً.
فهل رأيتنا رحمك الله زدنا على هذا القول أو نقصنا منه، وإن كان أصحابنا قد حملوه على الثلثين دون الثلث وذلك لا يصح لأنه لا ظاهر في أصل المسألة يدل على ما قالوه؛ فإن كان ما قالوا حفظاً لما تقدم في المسائل السابقة كانت المسائل فيها الخلاف ولا مانع من ذلك فالنظر يتجدد، وعنده عليه السلام الوقف يصح مؤقتاً، وعندنا أنه لا يصح التوقيت إلا في منافعه ومصارفه؛ فأما فيه فلا يكون شرعياً ما لم يكن مؤبداً، وإليه يرجع قوله عليه السلام إذا ما تأمل تأملاً شافياً لأن في بعض كلامه عليه السلام لا يجوز الرجوع في الوقف إذا كان مؤبداً وإنما لا يجوز الرجوع فيه لكونه لله تعالى، وما كان لله تعالى لم ينته إلى حد ولا يرجع فيه من جعله لأن في الحديث: ((إن الصدقة تقع في يد الرب سبحانه قبل أن تقع في يد المتصدق عليه)) فكيف يسترجع شيئاً قد صار في يد رب العالمين معناه في قبوله، وتحت حوطة قدرته، فكيف ينبغي له أن يرده أو يرجع فيه فذلك يفيد تأبيده من قبل المعنى فقد قدمنا في اللفظ ما في بعضه كفاية إن شاء الله تعالى.(1/659)


قال أيده الله: ما يرى في رجل وقف ماله على أولاده لصلبه وليس لأولاد البنات فيه حق وهذه صورة وقف أهل الشام جميعهم، ثم احتكموا قبل قيام الإمام أو بعده، وحكم الحاكم بصحة الوقف ونفوذه على ما ذكره في الأحكام هل ينقض ذلك الحكم أم لا؟ وهل للحاكم أن يقول أمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، والظاهر أن الناس لا يقفون إلا ما يجوز وقفه وهو الثلث فيحكم بصحة الوقف إلا أن تحصل بينة أنه جميع ما يملك الواقف فيرد إلى الثلث أم لا؟ وإن أثبت الثلث هل يكون عنده الثلثان وقفاً أو ملكاً أم يبطل جميع الوقف خلاف قوله في الأحكام والمنتخب؟
اعلم أيدك الله بتوفيقه إن جواب هذه المسألة قد تقدم أو أكثر إلا ما يتعلق بباب الحكم، والواجب استقراء العلة التي بها نقض عليه السلام الحكم بالثلثين فإن وجدت في الثلث حكمها وإلا كانت قاصرة وذلك لا يجوز؛ لأن العلة إذا وجدت وجب حصول الحكم وجوباً وإلا خرجت عن كونها علة، ولم ينفصل وجودها عن عدمها، والعلة في بعض الحكم في الثلثين عدم القربة وهو قائم في ذلك لأن الشرع المستمر منع من إيثار بعض الورثة على بعض، وإنما جعل للمسلم الثلث ليستدرك به ما فات، ويقوي به الحسنات في آخر عمره، وإذا غلظ به المعاصي وكثر سواد كتاب السيئات كان ذلك نقضاً للمراد، وقد ورد الشرع في المساواة بين الأولاد، وفي بعضها: ((لو كنت مفضلاً لفضلت البنات)).(1/660)


وأما نقض الحكم فإنا نهاب إثباته لما قد اتضح من الباب، ونهاب نقضه لعظم الحال فيمن أضيف إليه ونحن نعتقد له الفضل علينا بحيث يتدانى الأمر ولا يتقارب، ولا يمتنع وقوع السهو عن النظر في أصل مسألة ومسائل ولا سيما على مثله عليه السلام فإن أكثر المسائل أملاها وهو على ظهر فرسه تجاه العدو فجزاه الله عن الإسلام خيرا فالوجه في ذلك أن ننظر أصول إثباته للوقف فإن كان القربة فحكمه عليه السلام ينقض حكمه وهو الرضا وإن كان من رأيه جواز الوقف، وإن لم يتضمن قربة لم ينقض حكمه عليه السلام وكان خلافاً وهو ممن لا ينكر على مثله الاستبداد بالقول لسعة علمه ورسوخ حلمه سلام الله عليه؛ وإن كنت أستبعد أن يجيز الوقف على غير وجه القربة أو يكون ذلك قولاً لأحد من العلماء فضلاً عن الأئمة فلم يرد عن أحد منهم جواز الوقف على المباح المحض، فكيف بالمكروه، فكيف بالمحظور فتأمل ذلك موفقاً تجده كما قلنا إن شاء الله تعالى.
وأما قوله أيده الله: إن للحاكم أو عليه أن يحمل أمور الناس والمسلمين على الصحة فذلك واجب فيما يحمل.(1/661)

132 / 170
ع
En
A+
A-