الكلام في ذلك: ما تقدم من أن الوقف الذي لا قربة فيه لا أصل له في الشرع وما لا أصل له لا يصح إثباته، وظاهر الحال أنه عليه السلام جعل الثلث تتعلق به القربة قياساً على الوصية بثلث المال إذا أخرج ثلث المال سبيلاً، والأصل المتقدم غير منقوض ولا مكسور، وعندنا أن ذلك لا قربة فيه لأن الإناث أضعف وأحوج؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منع بشير بن سعد من نحله ولده النعمان بقوله: ((أكل ولدك نحلته؟ قال: لا. قال: فأشهد عليه غيري فإني لا أشهد إلا على حق)) فجعل هذا القول أبو حنيفة أصلاً لجوازه، وقال: لولا أنه يجوز لما قال أشهد عليه غيري.
قال آباؤنا عليهم السلام: ذلك دليل على أنه لا يجوز بقوله: ((إني لا أشهد إلا على حق)) ولا غير الحق إلا الباطل، وعندنا أن الوقف إذا بني على هذه الصورة بطل ولم يكن له حظ في الصحة سواءً أجازه الورثة أو لم يجيزوه إلا أن يستأنف العقد على الصحة لأن الوقف لله تعالى وهو من الدين، والله تعالى يقول: ?وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ?[البينة:5]، ويقول تعالى: ?أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ?[الزمر:3] ولا يكون خالصا ما لم تحرر فيه النية لله سبحانه، وإذا انبنى على الفساد كان فاسدا وهو بخلاف البيع والشراء، والهبة والهدية، فذلك بابه الإباحة والصدقة ظاهر الأمر فيها أنها لله تعالى وإن كان غير ناوٍ فظاهر الأمر النية وحكم عليه بالظاهر .(1/652)


قال أيده الله تعالى: قال السيد أبو طالب هذه رواية المنتخب، والمنصوص عليه في الأحكام يقتضي صحة الوقف على الذين وقفه عليهم، وفي المنتخب في رجل يقف ماله على خلاف ما يقتضيه الميراث نحو أن يقفه كله على بناته دون عصبته صح الوقف وقسم بين الورثة على حكم الله تعالى.
قال السيد أبو طالب والمنصوص عليه في الأحكام خلافه، وكذلك ما نظر عليه السلام في مسائل ابن جهشيار فالمراد وقسم بين الورثة على فرائض الله سبحانه ما زاد على الثلث، قال وله أن يقف الثلث على من يشاء، وكيف يشاء وفعله فيه وجب إمضاؤه.
قال أيده الله حاكياً تحصيل المذهب فيمن وقف ماله كله على أولاده إما أن يقفه على ما يقتضيه الميراث صح الوقف في جميعه على الروايتين جميعاً سواءً كان ذلك في حال الصحة أو في حال المرض، وإن كان على خلاف ما يقتضيه الميراث فإنه لا يخلوا: إما أن يقفه في حال الصحة أو في حال المرض؛ فإن كان في حال الصحة كان المال أيضاً وقفاً عليهم، كما وقف على الصحيح من المذهب على ما نص عليه يحيى في الأحكام، والقاسم في مسائل ابن جهشيار، وعلى ما ذكره الإخوان واختاراه.(1/653)


الكلام في ذلك: أن كلام الإمامين عليهما السلام يحمل على أن للإنسان في حال الصحة أن يعطي بعض الورثة دون بعض وأن يفاضل بينهم في المنحة والعطية، وأن ذلك يكون قربة إذا قصد به القربة، وأمور المسلمين تحمل على الصحة في المحتملات، وعندنا إن حكم الورثة يخالف حكم الأجانب، وهذا الباب لما قدمنا في حديث بشر بن سعد، وما جرى مجرى هذا في حال الصحة فعلى الحاكم أن ينظر في هذه المسألة فإن صح له بوجه من الوجوه الشرعية أن الواقف قصد بذلك وجه الله إذا كان فعله يحتمل ذلك صححه وإلا فلا، وليس التصحيح أن يعمل في ماله ما شاء إلا على بعض الوجوه، والعمدة فيما قلنا هو ما قدمنا أن الوقف لا يجد له صحة أصلا إلا القرب؛ فإذا أخرجه عن باب القربة وأجازه كان بانيا على غير أصل، ووجه ما حكيناه عن الأئمة عليهم السلام ما قدمنا ذكره من اعتقاده إن فعله ذلك على تلك الصورة يحتمل أن يكون قربة، والثاني يظهر لنا ممن يفعل ذلك أنه لا يفعله إلا إيثاراً للذكور ومحاذرة من إرث أولاد البنات، وقد رأينا من بعضهم أنه يصرف لأولادها نصيبا إن كان من عصبته، وإن كان من غيرهم قطعه، وهذا قطع ميراث وارث، وقد ورد فيه الوعيد فكيف تتعلق به القربة .(1/654)


قال أيده الله حاكياً: وإن كان في حال المرض كان الثلث وقفاً عليهم كما ذكر، والثلثان يكون موقوفاً على إجازة الباقين على الروايتين جميعاً؛ فإن أجازوه كان وقفاً كما قال، وإن لم يجيزوه كان وقفا على ما يقتضيه الميراث؛ وذلك لأنه ليس له أن يزوي من ماله عن الورثة في حال المرض أكثر من الثلث، فالوقف في حال المرض يجري مجرى الوصية؛ فأما مقدار الثلث فله أن يتصرف فيه كيف شاء للخبرين اللذين قدمنا في الهبة، وعند المؤيد بالله قدس الله روحه إذا كان ذلك في حال المرض فإنما زاد على الثلث رد على جميعهم ملكاً لا وقفاً.
الكلام في ذلك: أنه ينبني ذلك على أن له أن يفعل في الثلث ما شاء مطلقاً، وعندنا أن له أن يفعل فيه ما شاء ما لم يمنع منه الشرع النبوي –زاده الله جلالة وشرفاً، وقد بينا أن الشرع النبوي منع من إيثار بعض الورثة على بعض في حال الصحة، فكيف يجوز ذلك في حال المرض وله أن يعطي الثلث في حال المرض من شاء، وذلك خارج عن باب الوقف؛ لأن الوقف لا ينبني إلا على القربة وإلا كان خارجاً عن بابه، ولأن قوله: ليس له أن يزوي عن ورثته أكثر من الثلث في حال مرضه، فقد رجع إلى تعليلنا إنما منعته الشريعة من إمضائه لم يتعلق حكمه بفعله ورد إلى أصله، فتفهم ذلك، ولو سئل المؤيد عليه السلام بما أبطل وقف الثلثين ما رجع إلا إلى هذا الأصل وأنه خالف الشرع فخرج عن باب القربة لأنه لا أصل نعلمه يرد إليه ويحمل عليه إلا ما قلنا.(1/655)


وأما قوله أيده الله: أنه لم يحك عن أحد من أئمتنا أنه أبطل الوقف في شرع الإسلام والفتوى بجواز بيعه ولا شرائه مما يجوز، ولا أجازه غير الأئمة من العلماء القائلين بصحة الوقف؛ فكيف الأئمة عليهم السلام، وإنما الحديث فيما هذا حاله هل هو وقف أو غير وقف فالذي يجيز بيعه وشراءه يقول هو غير وقف؛ وغير الوقف لا مانع من بيعه وشرائه في الشرع الشريف وما كان وقفاً فلا يجوز بيعه بحال، وقد ذكرنا أن ما كان غير قربة فلا يكون وقفا في الشرع النبوي، وعمدتنا أنه لا أصل لمن صححه يرجع إليه إلا ما قدمنا فكيف يبنى على أصل لا تعتبر أحكامه.
وأما ما ذكر أنه وجد في كتب القاضي الحسن بن علي بن محمد بن أبي النجم جواب عن سؤال سائل عمن وقف ماله ولم يؤرث البنات ولا الأخوات وذلك لا يجوز وهو وقف الجاهلية كانوا لا يورثون البنات ولا الأخوات من مال آبائهن، ولا يورثون الصغير أيضاً، ويجعلون المال كله للكبير، وكانوا مع ذلك يحرمون أولاد البنات ما خلفت أمهاتهم، ويورثونه العصبة، ويقولون أبناؤنا بنو أبنائنا وبنو النساء أباعد لا يورثون فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنقض بحكم الله تعالى أحكامهم، وأعطى النساء ما حكم الله تعالى به لهن، وأعطى الصغار منا ما أخذ منهم، وأجرى بذلك صلى الله عليه وآله وسلم الحكم، ورد العدل، ونفى الغشم؛ فالكلام الذي ذكره القاضي حق وهو حكم الله تعالى، وما حكاه من حكم الجاهلية قد منع الشرع النبوي منه، وقد قال تعالى: ?أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ?[المائدة:50] فنهى وبكت وزجر وله الحمد حتى يرضى.(1/656)

131 / 170
ع
En
A+
A-