أما الوقف فهو: الحبس من التصرف على الوجوه المعتادة لا فرق في قولهم وقفت فلانا عن كذا، وبين قوله حبسته، ومنه الوقف من السير ومن التصرف، والوقف في الإعراب: المنع من الحركات، وقالوا وقف فلان دابته في موضع كذا وكذا فهذا معناه في الأصل، ثم صار بالنقل الوقف على غرض الواقف من غير تصرف بخلاف مراده، وسواءً كان ذلك طاعة أو معصية، حقاً أو باطلاً، تصرفاً أو إمساكاً، فقال وقف ماله على المعصية، كما يقال وقفه على الطاعة وعلى المحق كما يقال وقفه على المبطل، ثم صار بالشرع يفيد حبساً مخصوصاً على وجه مخصوص، وهو كل أمر يقرب إلى الله تعالى، فكل حبس على وجه القربة فهو وقف شرعي صحيح، وكل حبس لا على وجه القربة فليس شرعي ولا صحيح.
وأما الدليل على جوازه فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن خالداً حبس أدراعه وأفراسه في سبيل الله)) فأسقط الصدقة بذلك وصارت ملكاً لله تعالى لا لأحد، وإجماع الصحابة على ذلك، من ذلك فعل علي عليه السلام في ينبع ووادي القرى، وفعل عمر في ملكه في خيبر، وفعل عثمان في بئر رومة؛ فلم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما أنواعه فهو ينقسم إلى مشاع وغير مشاع؛ والمشاع ينقسم إلى ما يتأتى فيه القسمة وما لا يتأتى.(1/647)
وأما الكلام في أحكامه فاعلم أن حكم الوقف: الخروج من ملك مالكه إلى الله سبحانه، ولا يستقر فيه ملك مالك سواه سبحانه؛ وإنما لمالكه تعيين مصارفه على الوجه الذي لا يحظره الشرع لا غير؛ فإذا قد تقررت هذه الجملة فإنا نقول وبالله التوفيق: إن كلام الأئمة عليهم السلام لمن نظر في ذلك بعين التأمل لا يخرج عن هذه الجملة فإنا نقول ولأنه لا يوجد على صحته في الأصل دليل إلا ما قدمنا من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأفعال الصحابة رضي الله عنهم، وأقواله وهي حجة، وأصل ذلك من الكتاب: ?رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي?[آل عمران:35] إلى ما يجانس ذلك، ولا يعلم في شيء من هذا أمر يخرج عن القربة؛ فكيف يقضي بفرع لا أصل له، وهل اعتمد ذلك أحد من أهل العلم فضلاً عن الأئمة، فإن وجد لهم عليهم السلام كلام في مسألة فلعل الخلاف في تلك الصورة هي قربة أم لا، فمن اعتقد ذلك قربة أجاز الوقف في تلك الصورة، ومن اعتقد ذلك غير قربة منع منه، وهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قول العلماء.(1/648)
الكلام في وقف المشاع الذي يتأتى فيه القسمة لأنه لا يخلو: إما أن يجيز ذلك صاحب الشياع أو لا يجيز، فإن أجازه صح ذلك وصار كأنه وقف وذلك جائز بالاتفاق، وإن لم يجز فلا بد من استغنائه بنصيبه ونصيبه لا يتأتى إلا بالقسمة وهي جارية مجرى البيع وبيع الوقف لا يجوز؛ أما أنه لا يستوفي نصيبه إلا بالقسمة فذلك ظاهر، وأما أنها جارية مجرى البيع فلأنه عقد معاوضة وأخذ شيء بشيء وهذا معنى البيع، وأما إن بيع الوقف لا يجوز فذلك إجماع الأمة القائلين بصحته.
وأما حديث عمر فلا يصح أن يكون حجة على هذا لأن عمر خرج سهماً من ثمانية عشر سهماً لأن القسمة وقعت على ألف وثمانمائة والجيش خمسة آلاف ففي هذا من الفقه أن الغنائم إلى الإمام لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسهم لجهينة ولا سليمة ولا لمن كان معه من العرب، وإنما قسم بين المهاجرين والأنصار الذي قسم من أرض خيبر، وما أعطى أولئك إلا من التنفل للقوم، وجعل السهام على الرؤساء، وكان عمر واحدا منهم وهو المساهم لمائة رجل؛ فلا تثبت الحجة ما لم يقم البرهان بأن أصحابه لم يجيزوا ما فعل، وأنهم كرهوا وقفه لذلك فحينئذ ينتقض الوقف أو يجوز مع كراهتهم فيكون أصلاً معتمداً.(1/649)
وأما والحال ما ذكرنا فإن الظاهر من حالهم أنهم يرضون بما يقرب إلى الله تعالى وإن أجحف بهم في أموالهم وأمورهم يحمل على الصحة في الأمور المحتملة كما ذكر أيده الله في مسائله إذا جاز فعلهم في حقوقهم ولم يفعل أمراً يعترض به للنقض، وهو صلى الله عليه وآله وسلم معلم الشرع، وأساس الدين، وهادي الرشد صلى الله عليه وعلى الطيبين من آله؛ فتأمل ذلك موفقا تجده كما قلنا إن شاء الله تعالى.
قال أيده الله حاكيا : ولو أن رجلاً وقف داراً أو ضيعة عشرين سنة أو أقل أو أكثر على رجل صح ذلك، فإن مات الموقوف عليه قبل العشر كانت وقفا على ذريته إلى انقضاء المدة ثم يعود الوقف إلى صاحبها الواقف، وهذا مما لا نحفظ فيه خلافاً.
قلنا: فإن مات الموقوف عليه قبل انقضاء المدة كان وقفاً على ورثته إلى انقضائها لما بينا أن منافع الوقف تورث عنده عليه السلام على ما تقدم القول فيه، وإذا انقضت المدة رجعت إلى الواقف أو ورثته وقفاً لا ملكاً على الصحيح من المذهب على ما ذكره الإخوان قال: ومن أصحابنا من قال يرجع ملكاً لا وقفاً، وعند المؤيد بالله إذا انقضت المدة أو مات الموقوف عليه رجع إلى المصالح لأن عنده أن حكم هذا المال حكم المال الذي لا يعرف له مالك في أنه يجب صرفه إلى المصالح.(1/650)
الكلام في هذه المسألة أن الوقف لا بد فيه من لفظ التأبيد أو ما يقوم مقامه كأن يقول جعلته لله أو حبسته لله أو وقفته لله تعالى لا نهاية لوجوده فلا ينتهي ما هو له؛ فإذا كان ذلك كذلك كان وقفاً وكانت مصارفه في طاعة الله، فأقرب ما يلزمه أمره نفسه وولده وعبيده على المراتب التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإذا صرف غلته إلى إنسان معين مدة معينة جاز وكانت تلك المدة للرجل ولمن يلزمه أمره شرعاً من ورثته، فإذا انقضت المدة رجع إلى الأصل الأول، ولو أنه وقفه فصرفه إلى إنسان مدة كان له أن يغير مصرفه على قدر تحريه للمصلحة أو نظره فيها لأن ولايته فيه باقية، ولا يملك المصروف إليه منه إلا ما صار إليه وقبضه، وإنما قلنا يكون لورثته إذا بقي نظر الواقف على حاله.
وأما قول من يقول يرجع ملكاً لا وقفا فذلك إذا كان الوقف غير مؤبد، كأن جعله لفلان عشر سنين من باب العمرى، وذلك لا يخرجه من باب الملك، وقوله: عشر سنين وإن كان وقفاً لغوياً فإن الشرع قد طرأ عليه وصار الوقف يفيد التأبيد شرعاً؛ وأما رجوعه إلى المصالح فذلك فيما لم يعين فهو أولى من المصالح والأصول تقضي بذلك.
قال أيده الله مسألة وإن وقف ماله كله على بعض ولده دون بعض نحو أن يقفه على الذكور دون الإناث من ولده وولد ولده؛ فإن أجاز الذين لم يقف عليهم كان ذلك وقفاً على من وقفه عليهم، وإن لم يجيزوه كان الثلث وقفا على الذين وقفه عليهم من الذكور دون الإناث، والباقي يكون وقفاً على جماعتهم من الذكور والإناث على فرائض الله سبحانه.(1/651)