الكلام في ذلك: إن معنى الخبرين وما شاكلهما معنى التمثيل، وذكر الغل كذلك إذ القيامة صرف الله عنا وعن الصالحين أهوالها لا ينتهى إليه إلا بعد كشف الغطاء في السعادة والشقاوة فنسأل الله التوفيق؛ ولأن الغل نهاية الإهانة والاستخفاف ولا يجوز إنزاله بمن يستحق التعظيم؛ فلما كان الأمير مطلق اليد في الدنيا على من هو أمير عليه إما بالقدرة أو بالحكم من الله سبحانه قوبل بالغل في الآخرة تمثيلاً؛ فإن كان عادلاً وصل القيامة وصار في العرصة كالمغلول يصل الصراط فيكون جوازه عليه كإطلاق المغلول لا غير، وإن كان جائراً وصل القيامة مغلولاً حقيقياً، ثم تزل قدمه من الصراط إلى النار على تلك الحال؛ فنعوذ بالله من الشقوة اللازمة، والحسرة الدائمة، ونسأله السعادة الكاملة، والنعمة الشاملة، والصلاة على النبي وآله وسلم.
وسأل أيده الله عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعنت ثلاثة فلعنهم الله -وذكر الثالث- الإمام يتجر في رعيته)).(1/642)
الكلام في ذلك: أن المراد بالتجارة في الخبر فيما يوجبه النظر ومن الله سبحانه نستمد التوفيق أن المراد بذلك: أن الإمام لا يجوز له قبول صنائع الظالمين كالهدايا والعطايا ليترك لهم بعض رعيته الذين يقدر على منعهم وعصمتهم من الظالمين، فإن تركه لهم كالتجارة التي متى حصل للتاجر الربح سلم رأس ماله إلى الغير، وكذلك لو كانت معه أسارى الفساق أو الكفار، ومعهم من رعيته أسارى، فلما طلبوا فك أساراهم أخذ المال ولم يستعلِ نفوس رعيته؛ فهذه تجارة محظورة، وأجناس هذا كثير لو تتبعت، وإنما قد أشرنا لك إشارة كاشفة لتعتمدها إن شاء الله تعالى .
فهذا ما أمكن على قدر تضايق الحال والسلام.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
تم بحمد الله ومنه وكرمه(1/643)
مسائل الأمير الأجل أحمد بن محمد بن الهادي إلى الحق عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله الذي جعل الحكم مفتاحا، والحاكم فتاح، والمسائل أشباحاً، والأجوبة أرواحا، وجعل الأفكار لذلك أصولاً، والنصوص الشرعية عليه دليلا، ولا إله إلا الله الذي زاد المهتدين هدى، وصير أعمال المضلين سدى، وصلى على نبي المرحمة، وسراج الظلمة، وعلى آله الطاهرين الأئمة، وسلم وكرم.
أما بعد .. فإن المسائل التي أمر بها الأمير الأجل، تاج الدين، مرتضى أمير المؤمنين، أحمد بن محمد بن الهادي إلى الحق عليه السلام للقاضي الأجل، الدين الورع، ركن الدين، ثقة أمير المؤمنين، محمد بن عبد الله بن حمزة بن أبي النجم بنقلهما، وصلت إلينا إلى محروس صنعاء فوافقت أشغالاً تبلبل البال، وتعقل عقول العقال، والحمد لله على كل حال، فتأملناها على قدر احتمال الحال، وأوردنا عليها الجواب على قدر الإجمال، لعلمنا أن المفتقر للجميع من فضلاء الإخوان هنالك ليتم الأعمال، ويهدي الضلال، ولسنا ندع ما يمكن من تقوية الإشارة، وتهذيب العبارة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.(1/644)
المسألة الأولى
عن الهادي عليه السلام في باب الهبة فليست الهبة من باب الوقف في شيء لأنها تجوز للوثني كما تجوز للمسلم، ولا حرج على المسلم في ذلك، ولا حظر في الشرع، والوقف لا يجوز على الكفار، ولا على البيع والكنائس ولا بيوت النار، ويجوز أن يهب المسلم للبر والفاجر، والمؤمن والكافر، وكذلك الوصية تجوز للذمي كما تجوز للمسلم، ولهذا فإن صفية زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنها أوصت لأخيها وهو يهودي بثلاثين ألفاً فأجاز ذلك المسلمون وهو من الثلث إن عدمت الإجازة فلا وجه لجعل الهبة والوصية مقدمة للوقف لاختلاف ما بينهما.
وأما النذر بالهدايا إلى بيت الله الحرام وما جرى مجراها؛ فأصل ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الثلث والثلث كثير)) ولورود النهي عن إتلاف العبد ماله ويرجع يتكفف الناس، ولا نذر في معصية الله، وما فوق الثلث معصية كما ورد في صاحب قطعة الذهب، ولو تصدق بجميع ماله على آخر ملكه عليه، ولو جعل ماله في سبيل الله لم يخرج من ملكه إلا الثلث فتأمل ذلك.(1/645)
وأما أن للإنسان في حال صحته في ماله ما شاء فذلك صحيح لا مانع منه إلا ما منع منه الشرع، وقد منع الشرع من إتلاف المال على بعض الوجوه، وله أن ينفق ماله في المباح وإن أتى على جملته ما لم يكن سرفاً وتبذيرا فتأمل هذه الجملة لترد إليها ما بعدها؛ وقد ورد النهي على أبلغ الوجوه عن ذلك وما أشبهه، والله جعل الثلث للعباد في آخر أعمالهم يختمون به أعالهم في طاعة، لا يصرفونه في معصية الله، وهكذا من جعل جميع ماله لله أو في سبيل الله فإن تصدق به على إنسان معين صح ذلك لأن أكثر ما فيه أن لا تكون فيه قربة فتكون من طريق المباح، ولا خلاف أنه لو أنفذ ماله في أكل الحلال وشرب الحلال لم يكن لأحد منعه من ذلك، وإن تعدى في بعضه إلى المكروه.
وأما المتخلون من الدنيا وإخراج أموالهم من أيديهم فذلك طاعة لله تعالى إذا لم يكن لهم أولاد ولا أقارب يلزمهم القيام بأمرهم، وقد ورد في ذلك ما لا يغبى على أهل المعرفة أمره من الحث والتحريض من الله تعالى ومن رسوله في أمر الوالدين والأقربين، ووردت في ذلك آثار كثيرة، وقد ذكرنا أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، واستدللنا على ذلك بما هو موجود في كتبنا في الأصول، ولا حجة للمسلمين على بطلان ما يطوي من كثير من الأحكام إلا ورود النهي عنه؛ وهذه المسائل كلها بأنواعها خارجة عن الوقف لأن الكلام في الوقف ينبني على أمور.
أحدها: معرفة الوقف في نفسه وما حقيقته.
والثاني: الدليل على جوازه.
والثالث: الكلام في أنواعه.
والرابع: الكلام في أحكامه.(1/646)