المسألة الثانية
قال أيده الله: إذا كانت مقبَّلة والمُتَقَبَّلُ يصرف ما يؤتى به إليه من ذهب أو فضة لأربابها وأصل ما قيمت به دار الضرب مما في أيدي الظلمة ما يكون حكم ما يدخل في أيدي الناس بعد ذلك؟
الجواب عن ذلك: إن النقود والحال هذه يكون حكمها حكم بيت المال لاختلاط الحرام بالحلال.(1/637)
المسألة الثالثة
قال أيده الله : هل يجب على المسلم اجتناب ذلك سواءً كان فقيراً أم غنياً أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن المسلم يلزمه تجنب ذلك إن كان غنيا وإن كان فقيرا في وقت الإمام يجتنبه لأن المال قد لحق بالحقوق، وإن كان في غير وقت الإمام وهو فقير كان له أن يتناول ذلك لكونه من أهله، ولا يفتقر فيه إلى إذن؛ لأنه حق أخذه مستحقه، ولمن هو في يده عليه ولاية؛ فإذا سلمه برضاه كان لهذا تسلمه.(1/638)
المسألة الرابعة
قال أيده الله: ما يكون في حكم من تصرف في الدينار والدرهم الذي تضرب باسم الظلمة، وهل إذن الإمام بالتصرف في ذلك يجزي ويخلص من قبضه من الإثم والضمان أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن المتصرف بنقود الظلمة إن كان غنياً فهو مغتصب ويلزمه الضمان، وإن فقيراً جاز كما قدمنا في المسألة الأولى؛ وإذن الإمام يسقط الإثم والضمان، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((هدايا الأمراء غلول)) ثم أذن لمعاذ في ذلك وقت قدومه اليمن فضاع المحذور بالإذن، وسقط الضمان كما ترى؛ فأهدي له ثلاثون رأسا من الرقيق، فطالبه فيها أبو بكر فامتنع عليه وقال: (هذه طعمة أطعمنيها الله تعالى وما كنت لأعطيك إياها) فطلبهم ذات يوم بعدهم فلما جاءوا قال: أين أنتم ؟ قالوا: نصلي قال: لمن؟ قالوا : لله تعالى. قال : فاذهبوا فأنتم أحرار لوجهه؛ ذكرنا تمام الخبر لفائدته في الترغيب في الخير ونفع المسلمين.(1/639)
المسألة الخامسة
قال أيده الله: إذا وقف رجل موضعا في بلد يسكن فيه ابن السبيل هل يجوز للإمام أن يصرفه إلى واحد معين أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن كان المصروف إليه من أهل تلك الصفة جاز للإمام أن يصرفه إلى أحدهم، وإن كان لابن السبيل وليس المصروف إليه منهم لم يجز ذلك؛ فما كان وجه المسألة فجوابه ما أشرنا إليه لأنه لم يقع فيها بيان ولا أبناء السبيل في المسألة قال: يكون وهم في الشريعة واللغة السالكون دون الساكنين لأنهم المسافرون فاعلم ذلك.(1/640)
المسألة السادسة
قال أيده الله: إذا كان القاضي منصوباً من جهة الإمام، وخشي إذا أخبر أحد الخصمين بأن الحق لازم له إن لحقه في ذلك مضرة في نفس أو مالٍ هل يجب عليه الحكم في هذه الصورة أم لا؟ فإذا كان الحكم متوجهاً إلى الإمام في الأصل والحاكم نائب عنه وكان لا يجب على الإمام إذا خشي الضرر فهل يجب على الحاكم، أم بين الحكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرق في اعتبار الشرائط؟
الجواب عن ذلك: أن على القاضي تبيان الحكم ولا يسعه كتمانه، ولا تجوز التقية في الحكم بغير الحق إذا، وإنما له إذا خشي فوات نفس أو مال مجحف؛ فإن له أن يمتنع من الحكم رأساً كما فعل شريح أيام الحجاج، وإن كان لا يخشى في بيان الحكم ويخشى في التنفيذ بين الحكم وأخر التنفيذ، ولهذا يجوز للإمام تأخير إقام الحدود لبعض الموانع، كمصافة العدو، وخوف حدوث الفتق الذي لا يمكن تلافيه وشبه ذلك فإن له تأخير الحدود وشبهها في هذه الحال، ولا يجوز للإمام وإن خشي الضرر الحكم بغير الحق، وإنما له تأخير إنفاذ الحكم لا غير.
وسأل أيده الله عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من ولي أمر غيره من المسلمين جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه حتى يكون عدله الذي يفكه وجوره الذي يوبقه)) وفي بعض الأخبار: ((جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه حتى يتوسط على الصراط فإن كان عادلاً فكه عدله وإن كان جائراً زلت قدمه فهوى في جهنم سبعين خريفا)) كيف يكون عادلاً، ثم يغل في تلك الحال مع قول الله تعالى: ? لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ?[الأنبياء:103].(1/641)