وما ترى في هذه العقود الفاسدة مثل: بيع الشيء بأكثر من قيمته، واللعب بالشطرنج والملاهي، والزواج بولي من غير شهود، أو شهود من غير ولي، وكشف الرُّكب، والحسنية إذا تزوجت من غير كفء، هل يجب على المسلمين أن ينكروا في ذلك أم لا؟ وإذا كان مع إنسان امرأة لا تصلي هل يجب عليه يشد عليها أم لا، وإذا سار المسلم بلداً وبعضهم يظلم بعضاً ولم يكن في الزمان إمام هل يجب على المسلم شده عليهم أم لا؟ وهل يجوز له أن يحل معهم في دارهم أم لا؟ وإذا علم المسلم أن والي الإمام أو والي وليه عاص، ولم يعلم الإمام معصيته هل يجوز لمسلم مشايعته في الجهاد، والإئتمار بأمره، والانتهاء عن نهيه، وأن يأخذ من الوالي ما يقوم به، وأن يتولى شيئاً من أمر الرعية من تحت يده أم لا؟ وهل يجوز لمسلم أن يأخذ من الوالي شيئاً من بيت المال إذا كان غنيا وعاد في الجند من هو أكثر من هذا المسلم فقراً وجهاداً أم لا ؟ وهل يجوز لمسلم إذا كان في حصن من حصون الإمام أن يقيم وهو يعلم إذا لم يكن في الحصن لم يقيم؟
الجواب عن هذه المسائل من مولانا عليه السلام:(1/627)


قال: سألت عن دار الكفر إلى كم تنقسم؟ وهي تنقسم إلى دارين: دار الذمة، ودار الحرب؛ فدار الذمة كنجران، وخيبر قبل إجلاء اليهود عما ذامموا عليه منها وهو القموص، والسلالم، وما صاقبها، فأما السق والطاه، وناعم، وما تخللها واتصل بها فأخذت قهراً، واقتسمها المسلمون بعد خروج سهم الله وسهم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الكتيبة على ثمانية عشر سهماً، ودار الذمة يؤخذ منها ما جرى به الصلح، ودار الحرب تحارب حتى يستولي عليها المسلمون، ويملكونها لأنفسهم إن شاء الإمام أو يفرقها في أيدي أهلها بخراج معلوم، أو يعطوا الجزية ويقروا فيها، وإلا فالحرب أبداً إلا ما تخلل بين ذلك من الهدنة لمصالح يراها الإمام أو النائب من قبله، والحكم فيها قتل المقاتلة، وسبي الذرية، ولا تعتبر بدار الكفر البقاع فإن مكة حرسها الله، وهي أشرف بقعة خلقها الله في الدنيا، وهي أم القرى، ومنها دحى الله الدنيا، فلما ظهرت فيها كلمة الكفر كانت دار حرب، وكل أرض ظهرت فيها كلمة من الكفر من واحد منهم بغير إنكار جماعتهم أو من جماعتهم ولا يحتاج مظهرها إلى ذلة ولا جوار فهي دار حرب بلا خلاف، وإن ظهرت بذمة وجوار يرى برأي الناطق بكلمة الكفر أو يحسن الظن فيه أو يحول بين المسلمين وبين إنفاذ الحكم وذمته له أو جواره إلى غير مدة فالدار دار كفر بلا إشكال ولا خلاف في ذلك نعلمه، والحكم فيما هذه حاله عند القدرة قتل المقاتلة وسبي الذرية.(1/628)


وسألت عن رجل كبير يفزع إليه أهل ناحية من النواحي، ويعطونه الحقوق، ويعطون حاشيته الحقوق، وهو كافر هو وحاشيته، وأهل تلك الناحية لا يعلمون كفره لأنه كافر بمسألة لا يعلمها إلا العلماء، وأهل ناحيته كلهم مسلمون لا يعتقدون الكفر وإنما يعطونه الحقوق لتحسين الظن به لا لقدرته.
الجواب عن ذلك: أنه لا يجوز أن يعتقد معتقد الكفر ويظهر اعتقاده لأن يعلم الكفر ضرورة كأن يكون من الأمور المعلومة، وإما بقول الأئمة والعلماء بكفره فالواجب على أهل الناحية الرجوع إلى قولهم، فإن لم يرجعوا إلى قولهم وحسنوا الظن بالكفار فقد كفروا لردهم المعلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن خبره أن الواجب على العوام الرجوع إلى قول الأئمة والعلماء؛ فإن لم يدينوا بذلك كفروا ودارهم والحال هذه دار كفر، ومتى ظهرت كلمة الكفر من الكافر، وغلب على الدار وسكانه المسلمون مختارون كانوا كافرين بذلك، وإن سكنوا غير مختارين كأن يقدر على منعهم ولا يجدون حيلة إلى الخلاص فهم مسلمون في خاصة أنفسهم والدار دار حرب لغلبة الكافر عليها، ولا فرق في أحكام دار الحرب بين وقت الإمام وغير وقته إلا في غزوها في غير وقت الإمام ففيه الخلاف، والإجماع مع الخلاف منعقد على أن المغازي متى ظهر على أهل دار الحرب أنفذ فيهم السجن والقتل والتحريق والنهب ولا إثم عليه في هذه الأمور، وإن كان آثما في نفس القصد من الغزو عند من لا يجيز ذلك، وأنا أرى أن الرئيس إن كان يضطلع بأعباء الرئاسة كان للمسلمين غزو الكفار معه، وإن كان فاسقاً وفي غير وقت الإمام، وإن أمكنهم نصب رجل رئيس يصلح لغزو(1/629)


الكفار في غير وقت الإمام ولا يقيم عقداً بالإسلام إلا للدفاع عنه.
وسألت عن جيش الإمام إذا أحاط بحصن من حصون الكفار وهم على موالاة الكفار فأنزل الوالي أهل الحصن وأمنهم على أموالهم وأنفسهم هل يجوز للمسلم أخذ شيء من أموالهم أم لا؟
الجواب عن ذلك: أنه لا يجوز أخذ شيء ممن انعقدت الذمة على أمانهم عليه، ولا يجوز للوالي أن يأمر بذلك، ولا حرمة لنسائهم في وقت الإمام ولا بعده ما لم يدخلوا في دين الإسلام، والقدرة عليهم لا تسقط الحكم فيهم.
وسألت عن بلاد المطرفية الذين يخرجون بعض الحقوق إلى ولاة الإمام، وليس لهم عليهم سطوة، وملك حصنهم الإمام ما يكون حكم بلادهم؟
الجواب: إنما أخذ عنوة كان حكمه حكم ما يغلب عليه المسلمون من دار الحرب، وما أخذ صلحا كان حكمه حكم البلاد الصلحية إلا أن خاصة المصالح من العرب، وفي حرمة العرب أن لا صلح على شيء دون إظهار الإسلام وإلا السيف؛ وأما دارهم ومصالحتهم للمسلمين على ما توجه عليه الأمر من نصف أو أكثر ومن ولد الكافر فهو كافر مثله وحكمه حكمه.
وسألت عن المسلمين إذا غلبوا على بلاد المطرفية الكفار، وكان فيهم أحد من الأشراف بني هاشم، وأخذهم من يأخذ الزكاة ما يكون الحكم؟
الجواب: أنه يجوز لمن ملكهم بالأسر أن يطعمهم من الزكاة لأنه إذا ملكها جاز له إعطاءها بني هاشم وغيرهم، وهو يجب عليه نفقة من أسر أو ملك فهو في إعطائها الأسير والمملوك كقاضي الدين فيجوز له إعطاءها الهاشمي، ولأنها لم تحرم على بني هاشم إلا تطهيرا لهم وتنزيها لشرفهم وإسلامهم فمتى كفروا لم يصح تطهيرهم مع تنجسهم بالكفر.(1/630)


وسألت عمن يملك من بني هاشم إنساناً، ثم يعتقه هل يجوز للهاشمي المعتق الزكاة أم لا؟
الجواب: أن الهاشمي إذا أعتق وحسن إسلامه وصح اعتقاده رجع إلى حكمه الأول في أنه لا يتناول الزكاة، وإن كان تناوله لها في الحال الأول فإنما لما ملك ذلك الواجب من يستحقه يصير إلى من تجب عليه يصيره إليه بالحكم، فهذا الكلام في صورة هذه المسألة.
وسألت عن أحكام دار الفسق المحاربة، وأحكامها أنه يجوز للإمام قتل مقاتلها، وهدمها وحريقها، وإجلاء أهلها عنها، والاستيلاء على أموالهم الظاهرة والباطنة إن رأى في ذلك صلاحا، ولافرق بينهم وبين الكفار إلا في سبي الذرية؛ وأما البغاة فحكمهم ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام من قتلهم مقبلين، ورفع السيف عنهم مدبرين –إن لم يكن لهم فئة- وأخذ كراعهم وسلاحهم، وما أجلبوا به، دونما عداه من الأملاك، ولا يعترض لما خلف من أموالهم فأمير المؤمنين عليه السلام لم يحاربه أحد من الفساق المتهتكين في عصره، وإنما كان يحاربه من يتمسك بظاهر الإسلام وهو محق في جميع أفعاله إلا في خلاف إمام الحق، وكان قبل خلافه مؤمناً، كما حكى الله تعالى: ?وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ?[الحجرات:90] فحكم الله بإيمانهم قبل الفرقة، والفاسق المتهتك غير مؤمن قبلها ولا بعدها، فحكمه مخالف لحكم البغاة وأوضحناه لك، ويجوز غزو دار الفساق، وأسرهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم سرا وجهرا ما لم يكن لهم عقد من(1/631)

126 / 170
ع
En
A+
A-