الثالث والثلاثون
قالوا أيدهم الله: ما ترى فيمن يمكنه غسل كفيه عند نجاستهما إلا بأن يلقي الإناء، ويأخذ الماء إلى إحدى يديه ويغسل به الأخرى هل يجزئه ذلك أم لا؟ وهل للضرورة حكم في الجواز هاهنا، وهل هناك كراهة إن كان جائزا وإن كان غير جائز ولم يتمكن الغاسل من غيره هل لأحد أن يصلي خلفه ممن يتمكن من غير ذلك أم لا؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أنه يجوز له الغسل عندنا على الضرورة التي ذكرتم، فلا يلزمه ما وراء ذلك؛ لأن اليدين في هذا الباب في حكم العضو الواحد، ولم يؤثر عن السلف عليهم السلام خلاف ذلك، وما علل به من نجاسة الماء فلا يبقى لها حكم في التطهير؛ فهو قائم فيما يقع في باطن الكف لظاهرها، وإن علل في ذلك بعظم البلوى، فالعلة قائمة في مجموع اليدين، وإن جعلت العلة تعذر الإمكان إلا بحيلة فالحيلة ممكنة في اليد الواحدة؛ فإن كانت علة الجواز في اليد الواحدة المتبقية فهي قائمة في اليدين، ولما كان جائزاً انقطع ما انبنى على خطره من السؤال في الصلاة خلف من استعمله.(1/597)
الرابع والثلاثون
قالوا أيدهم الله: ما ترى في امرأة أبرأت زوجها وهي غير كارهة له، فطلقها على ذلك، وعلق الطلاق بصحة البراء إذا أضمر ذلك، وكان في غرضه أنه لا يطلقها إلا بسقوط المهر عنه، أو قال لها: إن أبرأتني فأنت طالق. فأبرأته وهي غير كارهة، والمسألة بحالها، وهل فرق بين العلم والجهل في ذلك أم لا؟ إذا كان على قول من يقول بصحة الخلع بالتراضي وممن يقول بصحته؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: إن الخلع عندنا لا يجوز إلا بالمنافرة، ومخافة ألا يقيما حدود الله، فتملك نفسها والحال هذه بالفداء، وإن كان على غير هذه الصورة فليس بخلع، فإن أبرأته بخيار صح البراء وكان له أن يسترجعها إن شاء، وطلاقه لها بصحة البراء أو شرط البراء في طلاقه لا يجعل الطلاق بائناً والحال هذه؛ لأنه لا يوجد لطلاق المخالعة أصلا إلا ما وقعت المنازعة فيه بين الزوجين كفاطمة بنت قيس وأمثالها، فمن قال بغير ذلك رجع إلى غير أصل، ولا فرق بين العلم والجهل فيما هذا حاله؛ لأن المرجع في ثبوت الأحكام إلى الأصول والأدلة.(1/598)
الخامس والثلاثون
قالوا أيدهم الله: ما ترى في صاحب الأرض إذا قال للخبير: هبني بذرك قبل تبذره، وأبذره وهو في ملكي على أني إن رأيت منك صحبة جميلة كان لك نصف ما يحصل في أرضي، وإن كرهتك وكرهتني كان البذر لي. وفعل الخبير هل يصح الهبة والشرط؟ أم تصح الهبة دون الشرط؟ أم تبطل الهبة؟ وهل فرق بين تعلق الهبة بالشرط في لفظ الهبة وبين أن يتفقا عليه قبل الهبة أو بعدها ولا يدخل الشرط في عقد الهبة ؟
الجواب عن ذلك : أن الهبة في صورة هذه المسألة والشرط باطلان؛ فإن سلم إليه البذر وبذره ملكه بالتسليم والاستهلاك وكان عليه مثله لفساد الهبة وبطلان الشرط كما ذكرنا لتعلقهما بالجهالة.
وأما في تقديم الشرط أو تأخره فإن كان متصلاً بجملة الكلام من أحد طرفيه صح إن وقع على وجه الصحة، وإن كان منفصلاً فلا حكم له أكان يتضمن الصحة أو لا يتضمنها.(1/599)
السادس والثلاثون
قالوا أيدهم الله تعالى: في رجل عمل جريناً في ملكه أو ملك غيره بإذن أو عفو من الأرض ليطلب من الناس الكيل عما يخبطون فيه، ويمنعهم من الكيل، ويأخذ ما تيسر من الحب، ويبقى في العزم، ما الحكم في ذلك؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: إن لصاحب الجرين الكرا؛ والمراد ترك المعذوق فيه وإصلاحها إذا عمل الجرين لما ذكرتم.
وأما منعه من الكيل وأخذه لما تيسر من الحب ويبقى في العزم؛ فإن كان أهله قد أضربوا عنه أعني عما في العزم وعن إيثاره في الحب كان له أخذه وجرى بمنزلة الجرابة في النخل، والحفالة في العنب، والسقاطة في الزرع، وكان للعرف تأثير في الإباحة، وإن كان صاحب العذوق إذا أراد الاستقصاء على العزم أو الاستنصاف منعه صاحب الجرين فذلك لا يجوز والحال هذه، وإنما له الكراء ولصاحب الحب حبه إن كان الجرين في ملكه أو في عفو لا مالك له، أو في ملك غيره وأباح له ذلك دون غيره وأذن له في الانتفاع من الغير بما يجري مجرى الكرا فيما هذا حاله جاز الكرا وكان ما اجتمع معه مما ذكرتم مردود إلى أربابه إن أمكن تمييزه ومعرفتهم؛ فإن تعذر تمييزه وتمييز مقاديره كان راجعاً إلى بيت المال ولم يصح له تملكه.(1/600)
السابع والثلاثون
قالوا أيدهم الله تعالى: ما ترى في قوم نزلوا في موضع ملك لغيرهم أو أوقاف من الأرض، أو ملك أحد منهم، والباقون لا ملك لهم، ثم شدوا عنه ووقع الغيث وظهر في دمنهم زرع، وأهل البذر متساهلون في ذلك غير طالبين فلمن يكون الزرع؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: إن الزرع يكون عن الأحوال كلها لبيت المال لأن البذر لم يتعين مالكه، وإن تعين فصورة مسألتكم بهم تنبي عن أنهم قد بذروه وأضربوا أو أضرب عنه صاحبه، وما هذه حاله من الأموال يرجع إلى بيت المال.(1/601)