العشرون
قالوا أيدهم الله تعالى: ما ترى في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا معها بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أحد آياتها)) ما معنى أحد آياتها والحمد سبع آيات سواها؟ هل هي تقوم مقام آية منها، أو هي ثامنة، أو ما معنى ذلك؟ وقد روي أن بسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب ومن كل سورة، فإن صح ذلك فهل يجزء معها آيتان سواها مع فاتحة الكتاب ويجزء ذلك المصلي، أم لا بد من آيات مع البسملة فمعنى كونها من كل سورة؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الحمد ومن كل سورة ولا سيما مع نص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.
وأما إن الحمد سبع آيات فإنما لا يعدون البسملة لتكررها في القرآن الكريم، وأما إذا قرء الحمد وآيتين مع البسملة فإن كانت الآيتان من الكبار أجزأ ذلك، وإن كانتا من الصغار لم يجز؛ لأنه قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((وقرآن معها)) ولا يطلق القرآن حقيقة إلا على ثلاث آيات غير البسملة في الصغار لأنه جمع وأقل الجمع ثلاثة فما فوقها وثلاث فما فوقهن.(1/582)
الحادي والعشرون
في امرأة قالت للغير: خذ من زوجي مهري الذي عليه فقد صار لك. ولم يأخذه حتى ماتت هل ذلك وصية، وقولها في صحتها ولم ترجع عن ذلك حتى ماتت أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن قولها هو لك محتمل ولا سيما وهو على الغير؛ فإن قبضه في حياتها استأمرها فيه، وإن كانت ميتة لم يتعلق له الحكم، لأنه ليس فيه معنى الوصية، ولا لفظها متعلق بغير العين، إلا أن يكون المهر قد تعين جرى مجرى الإقرار.(1/583)
الثاني والعشرون
قالوا أيدهم الله تعالى: ما الفرق بين الحق الذي يكون للإنسان إنفاذه من غير رأي الإمام وبين ما ليس له إنفاذه إلا بإذنه؟ قالوا: وهل يكون بين وصي الإنسان أو وكيله في ذلك فرق أم لا؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: إن الحقوق المتعلقة بالباري سبحانه كالأعشار، والزكوات، والمظالم، وما يجري مجراها من أموال اليتامى والأوقاف وغير ذلك لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن الإمام أو من يكون من قبله، والحقوق المتعلقة بالآدميين يجوز التصرف فيها من غير إذنه، ولا فرق في ذلك بين الوكيل والوصي في أنه لا يجوز لهما التصرف إلا بالإذن، لأن قوة أيديهما لا تبلغ قوة يد الموصي والموكل؛ إذا لم يجز للموصي والموكل التصرف إلا بإذن الإمام أو من يكون من قبله؛ فالوصي والوكيل إلى الإذن أحوج، والوصية عموم، والوكالة خصوص.(1/584)
الثالث والعشرون
قالوا أيدهم الله عز وجل: ما ترى في رجل وجبت عليه حقوق لله تعالى مؤقتة أو غير مؤقتة، وكان ممن يقول بوجوبها على الفور، وهي مما يكون إنفاذها إلى الإمام، ولم يتمكن من الوصول إليه إلا بعد خروج الوقت الذي يجب عليه إخراجها؛ هل يكون له التأخر إلى أمر الإمام أو ولاته، وإن طالت المدة وعنده المستحقون المضطرون إلى ذلك، وهو يخشى تلف ذلك ولا يقدر على عزمه أم له إخراجه إلى من يستحقه وربما إن جرى عليه الموت وخشي أن لا يخرج عنه؟
الجواب في ذلك والله الموفق: إن الحقوق الواجبة على الإنسان مؤقتة وغير مؤقتة تلزمه تأدية المؤقت في وقته، وتأدية ما ليس بوقت عند ذكره إلى الإمام أو عامله، ولا ينتظر في ذلك أمراً من الإمام متجددا؛ لأنه قد يلزم الإنسان ما لا يعلمه الإمام ولا واليه، ويتضيق ذلك عند من يقول بالتراخي والفور؛ لأن اتفاق الإمام على الفور فهو متضيق في الحالات إلى أن يعلم غنى الإمام عن المال جاز التمهل إلى مؤامرته، ولا يجوز للإنسان صرف الحقوق إلى أهل الاضطرار إلا برأي الإمام، لأن المجاهدين إذا اضطروا واضطر الضعفاء كان إيثار المجاهدين بالمال أولى، وإن انتهى حال الضعيف إلى التلف لأنهم حماة حوزة الإسلام، ورعاة سرح الدين، ولا قوام لهم إلا بالمال، وحفظ الدين أولى من حفظ النفوس؛ لأن الواجب حفظ النفس بالمال، وحفظ الدين بمجموع النفس والمال فاعلموا ذلك موفقين إن شاء الله تعالى.(1/585)
وأما خشيته لتلف المال أو تلف نفسه ولا يخرج بعده فهو لا يكون عذراً في صرفه إلى غير الإمام أو واليه؛ لأن الشرع النبوي جاء بالمنع من التصرف في الحقوق الشرعية إلا برأي الإمام أو من يكون من قبله .(1/586)