ونقول: إن النصوص استدلالية لأنها محتملة، ولذلك جرى فيها النزاع الطويل، والجدال الشديد، من ذلك اليوم إلى يوم الناس هذا وإلى انقطاع التكليف، وكل يحتج بما يرويه، وقولنا: هو الأحق والأولى لما أظهرنا عليه من البراهين، ونصبنا من الأدلة التي لا توجد مع خصومنا، وندعي عليهم انقطاع المرام في تصحيح ما توسموه، وتلك الخطايا والمعاصي للتقدم على علي عليه السلام لم بلوغها حد الفسق فتنقطع العصمة، وإنما يجوز أن تكون كبيرة وأن تكون صغيرة، ولما يظهر لنا على ذلك دليل، ولا بلغنا عن سلفنا الصالح عليه السلام ما نعتمده في أمرهم، وإنما نشكو إحداثهم وتقدمهم على إمامهم ولهم أعظم حرمة في الإسلام، لأنهم أول من أجاب دعوة جدنا صلى الله عليه وآله وسلم ونابذ وعزَّ به الإسلام، وقاتل الآباء والأبناء والأقارب في الله، حتى قام عمود الإسلام، وأتى فيهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالم يأت في غيرهم، وكان فيهم حديث بدر، وآية بيعة الرضوان، فصار الإقدام في أمرهم شديداً، وإنما نقول: إن كانت معاصيهم كبيرة فالله تعالى لا يتهم في جزائه، والكبائر تبطل الطاعات وإن عظمت، وإن كانت صغيرة فلبعض ما تقدم من عنايتهم في الإسلام، وسبقهم إلى الدين، ولا يمكن أحدٌ من أهل العصر ولا من قبله من الأعصار يسعى مثل سعيهم، ومثل عنايتهم في الدين، وعلي عليه السلام وولداه هم القدوة فلا نتجاوز ما بلغوه في أمر القوم، وهو نعي أفعالهم عليهم، وإعلامهم لهم أنهم أولى بالأمر منهم، ولا يظهروا لنا أحكام أولئك النفر خالفوهم ولا باينوهم مباينة الفاسقين في عصرهم.(1/557)
وأما من حارب علياً عليه السلام وولديه سلام الله عليهما فلا شك في فسقهم، ويتعدى الحال إلى تكفير بعضهم كمعاوية وولده لعنهما الله تعالى فإن معاوية كفر بسب علي عليه السلام لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: ((من سبك فقد سبني)) وسبُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفر بالإجماع، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا علي، بحبك يعرف المؤمنون، وببغضك يعرف المنافقون.يا علي، من أحبك لقي الله مؤمناً، ومن أبغضك لقي الله منافقاً)) والنفاق أقبح الكفر، ولأن أمكن أولياؤه الدفاع في هذه الأخبار وإنكارها لأمكنهم دفع ادعائه زياد لما علم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة من قوله: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) فقال الولد للعاهر ولا يضره عهره، وكفر بذلك النص المعلوم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لإجماع الأمة على أنه فعل ذلك، وأنه خلاف دين الإسلام.(1/558)
وأما ولده يزيد لعنه الله فإنما كفر لقتله ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي عليهما السلام وقد ثبت أن من آذى رسول الله كفر، وقتل ولده أعظم الأذية، ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم المدينة بين لابتيها قال: ((لا يقطع شجرها، ولا يختلا خلاها، ولا ينفَّر صيدها، ومن فعل ذلك فعليه لعنة الله)) فاستحل حرمتها، وقتل أبناء المهاجرين والأنصار فيها ستة آلاف مسلم، مستحلاً لذلك، وبقطع غصن من أغصان شجرها استحلالاً يكفر من قطع ذلك فكيف بقتل ستة آلاف مسلم، وأمر برمي الكعبة واستباحة حرمة مكة حرسها الله وقد منعها الله من أصحاب الفيل، وإنما أملى لهذه الأمة وأخَّر عقابهم إلى دار الآخرة .
وأما المودة لأهل البيت عليهم السلام فهي فرض من الله على عباده، وأجر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لقوله: ?قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى?[الشورى:23] وقد ورد الوعيد فيمن ظلم الأجير أجره فكيف من ظلم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وإنما نقول: إن القوم لم يقع منهم تسليم البغضة، بل يدعون المحبة والمودة، ويظهرون الولاية والشفقة، وبواطن الأمور لا يعلمها إلا الله عزَّ وجلَّ.(1/559)
وأما أمر فدك فقد كان فيها النزاع، وتأولوا خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما خلفناه صدقة)) على غير ما تأوَّلناه؛ لأن عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيَّن أن ما قبضه من الصدقات لا يكون إرثاً لوارثه، وإنما يكون مرجعه إلى بيت المال، فما عندنا اسم ناقص بمعنى الذي فكأنه قال الذي نتركه من الصدقة لا يورث عنَّا معشر الأنبياء، فأما أملاكهم فلم يعلم أن الله سبحانه فرق بينهم وبين غيرهم في ذلك، وقد وقعت أمور هناك رددنا أمرها إلى الله عزَّ وجلَّ، وترضينا على الصحابة عموماً، فإن دخل المتقدمون على علي عليه السلام في صميمهم في علم الله سبحانه لم نحسدهم رحمة ربهم، وإن أخرجهم سبحانه بعلم يعلمه لاستحقاقهم فهو لا يتهم في بريته، وكنا قد سلمنا من خطر الاقتحام، وأدَّينا ما يلزمنا من تعظيم أهل ذلك المقام، الذين حموا ظهور الإسلام، ونابذوا في أمرهم الخاص والعام.
وأما عثمان وأحداثه فلا شك في قبحها، وجوابه فيه ما قاله علي عليه السلام: إنه قد قدم على عمله، فإن كان محسناً فقد لقي رباً شكوراً، يكافئ عن إحسانه، وإن كان مسيئاً فقد لقي رباً غفوراً، لا يتعاظم أن يعفو عنه إساءته؛ وهذا، وجنسه كلام علي عليه السلام فيه مثل قوله: إنه استأثر فأساء في الأثرة، وعاقبتم فأسأتم في العقوبة، ولله حكم في المستأثر والمعاقب، فهذا ما قضى به الدليل وودى إليه النظر، ومن الله سبحانه نستمد التوفيق في البداية والنهاية، والبلوغ إلى أسعد غاية والسلام.
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وسلَّم تسليماً(1/560)
تمَّ بحمد الله ومنه تعالى في النصف الأخير
من الشهر المبارك، في شهر صفر من شهور سنة 1047ه(1/561)