مسألة
في قوله تعالى: ?مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ?[هود:15] ما الذي يوفيهم إن كان جزاء أعمالهم الصالحة، فكيف يوفيهم إياه وهو منحط، ولأن الثواب يستحق خالصاً على جهة الإجلال والتعظيم على سبيل الدوام؛ وهذا لا يصح في حال التكليف؟
الكلام في ذلك : إن المراد بالأعمال هاهنا ما يكون في مقابلته العوض، ووصوله يصح إلى من يستحق الإجلال ومن لا يستحقه؛ لأن حد العوض النفع المستحق لا على جهة الإجلال والتعظيم؛ فمن أراد ذلك ولم يكن له في الآخرة نصيب جاز أن يوفيه الباري تعالى ما يستحق من ذلك لأنه محدود خلاف الثواب فإنه لا نهاية له، ويقارنه الإجلال والتعظيم. والبخس هو النقص ولا يجوز أن يبخس سبحانه أحداً من ما يستحقه، لأنه واجب العدل لحكمته، ويجوز أن يوفيه تعالى العوض في حال التكليف لأنه بمنزلة أروش الجنايات، وقيم المستهلكات فخالف الثواب.(1/552)
مسألة[في دعاء الصحيفة وصلاة التسبيح]
فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعاء الصحيفة من أن من دعا به كان له من الثواب مثل ثواب أربعة من الملائكة، وأربعة من الأنبياء صلوات الله عليهم مع أنه قد ثبت أن ثواب النبي لا يساويه ثواب من ليس بنبي فضلاً عن أربعة أملاك وأربعة أنبياء، وكذلك ما روي في صلاة التسبيح من غفران الذنوب وإن كانت مثل زبد البحر، ورمل عالج إن كان من غير توبة فكيف يصح ذلك؟ والكبيرة لا يساوى عقابها شيء من الطاعات في ذلك، وإن كان مع التوبة فالمسقط للعقاب التوبة دون الصلاة المذكورة، ولا يصح حمل ذلك على أنه أراد به أن ثواب هذه الصلاة المذكورة تكفر الصغائر، وإن كان عقابها بهذه الصفة لأن الصغائر لا يبلغ عقابها عدد الرمل وزبد البحر، وكذلك ما شاكل ما ذكرنا من الأخبار المروية في قراءة القرآن، والعبادات التي لا يتسع إيرادها؟
الجواب عن ذلك: إن الكلام في الحديث الأول أنه يكون للداعي في دعاء الصحيفة ثواب أربعة أملاك، وأربعة أنبياء المراد بذلك جنس ثوابهم، والجنس يعبر عنه بالجملة يقال: هذا رأي فلان، وإن كان رأي آخر إذا جانسه؛ وتجانس الثواب لا يوجب المماثلة، ويكون هذا لمن دعا بذلك الدعاء لعلم الله سبحانه أنه يستحقه، وإلا فالمتقرر عندنا أن الأنبياء عليهم السلام أفضل من سائر البشر، وإن الملائكة عليهم السلام أفضل من الأنبياء لما خصَّهم الله به من العصمة من الصغائر، فكان لهم مزية على الأنبياء عليهم السلام .(1/553)
وأما ما سأل من معنى قوله في ثواب صلاة التسبيح أنه يكفر الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر ورمل عالج؛ وهذا خبر صحيح ومعنى مستقيم؛ لأن زبد البحر ورمل عالج معلوم الأجزاء عند الله عزَّ وجلَّ، محصور الوزن والعدد في علمه سبحانه، وإن بعد ذلك عندنا لقصور علمنا وقدرتنا، وثواب هذه الصلاة لا ينحصر عدده، ولا ينقضي أمده، وعندنا أن الطاعة لا تسقط حتى يسقط قدرها، ومعنى الإحباط عندنا إن الكبيرة تستوعب أجزاء الطاعات، ويبقى منها فضلة عقاب، وكذلك التوبة لأناَّ ما نعلم في الطاعات كبيرة سواها، وكبائر المعاصي كثيرة لا تنحصر؛ فلا بد ثواب صلاة التسبيح تسقط مثل زبد البحر ورمل عالج من المعاصي وهي أكثر من هذا؛ لأن عقاب المعاصي لا نهاية له، ولا يكون أكثر منه شيء، وكلما انتهت إليه الإشارة فله نهاية، فتفهم ذلك موفقاً، وما جاء من الحديث الأول في معنى ثواب من دعا بدعاء الصحيفة، وما يوجد في كتاب (الذكر) من قراءة القرآن أو التسبيح أو الدعاء حمل على معنى ذلك الذي ذكرناه في تفسيره، وأن المراد به الجنس لا القدر لأن ذلك لا يستقيم على الأدلة.(1/554)
مسألة[في الصحابة الذين تقدموا على علي عليه السلام]
في الصحابة الذين تقدموا على علي عليه السلام ومن تبعهم وتابعهم، كيف تجوز الترضية عنهم، وقد عدلوا عمن صحت إمامته عندهم، لأن الأدلة على إمامته عليه السلام كانت معلومة لهم ضرورة، فإن قال القائل: وإنهم وإن علموا الأدلة فإنهم لم يعلموا كونها أدلة.
قلنا: عن هذا جوابان: أحدهما: إن تركهم للنظر فيها يكون معصية.
والثاني: إنهم كانوا أعلم بمقاصد الكلام ومعانيه من أهل هذا الزمان، فكيف يصح أن يقال: بأنهم لم يعرفوا كونها أدلة فمعنى هذه الأمور، كيف تجوز الترضية عليهم، بل لو قالوا بلعنهم وسبهم والبراءة منهم لكان أسعد حالاً ممن يترضى عنهم؛ لأنهم طردوا بنت نبيهم عن مالها، وأخرجوها من بيتها، وأرادوا يخربون بيتها، وقتل بعلها، وكان تقدمهم أول خلاف جرى في الإسلام، وهو سبب قتل أهل البيت عليهم السلام وطردهم، وأخذ حقهم إلى الآن، وبعد فقد ثبت أن من امتنع عن إجابة داعي أهل البيت كبَّه الله على منخريه في النار، فمن قاتله فهو أكثر ذنباً وأعظم جرماً، وقد علمنا أن علياً عليه السلام لو أراد أخذ الأمر دونهم لحاربوه على ذلك، وأيضا فإنهم أُمروا بمودة أهل البيت فلم يفعلوا ذلك لما ظهر من رفضهم لهم، وقلة احتفالهم بهم، وهو يقتضي زوال المودة، بل ربما دل على البغض رفضهم لعلي وأخذهم الأمر دونه، والاستئثار عليه بحقه، وأحداث عثمان كثيرة جمَّة، وتفصيل ما جرى منهم يتعذر إحصاؤه في هذا الموضع، ولكن الإشارة إلى جملة تكفي.(1/555)
الجواب عن ذلك: إن الصحابة عندنا أفضل الأمة بعد الأئمة عليهم السلام قبل أحداثهم وبعد الأحداث، لنا أئمة نرجع إليهم في أمور ديننا، ونقدم حيث أقدموا، ونحجم حيث أحجموا، وهم علي وولداه عليهم أفضل السلام والحادث عليهم وعصيانهم ولم نعلم من أحد منهم أنه سبَّ أحداً من الصحابة ولا لعنه ولا شتمه، لا في مدة حياتهم، ولا بعد وفاتهم، فالذي تقرر عندنا أن علياً عليه السلام أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولديه أفضلهم بعد علي عليه السلام لما ظهر فيهم من الأدلة عن الله سبحانه وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمتقدم عليهم من أبي بكر وعمر وعثمان نقول بتخطئتهم ومعصيتهم لترك الاستدلال على علي عليه السلام بالنصوص الواردة عن الله سبحانه وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في إمامته.(1/556)