مسألة
في قوله تعالى: ?وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ...?[البقرة:102] إلى آخر القصة ما الصحيح عند أهل البيت عليهم السلام في ذلك؟
الكلام في ذلك: إن الصحيح عندنا إنما جرت نفي لما حكى الناس في قصة الملكين ببابل، وكذلك ما بعده إلى نهاية الآيتين، وكذلك ما حكى من تعلمهم منهما إنما حكاية عنهم ما رووه عن العوام ليقبلوا منهم إفكهم الذي أفكوه، وكذلك أرباب الضلالة يسندون ضلالتهم إلى الأنبياء عليهم السلام وإلى الصالحين، ولولا ذلك لما قبلها الأغمار والجهَّال، لأن الله تعالى قد أخبرنا بعصمة الملائكة عموماً ولم يستثن أحداً وقوله، الحق وخبره الصدق.
ومن ضلالتهم أنهم حكوا إن الفرق لا يكون بين الزوجين إلا بإذن الله وهذا ظاهر، فكيف يرضاه الله عزَّ وجلَّ، أو يأذن فيه، فهذا الذي علمناه من سلفنا عليهم السلام وإن كانت الألفاظ تختلف ولكنه يعود إلى ما قلنا، فهذا ما عندنا في ذلك، وجعلناه إشارة تدل على ما جانسه.(1/547)
مسألة
قوله تعالى: ?قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ...?الآية [آل عمران:26].
الكلام في ذلك ومن الله نستمد التوفيق: إن الله تعالى مالك الملك على الحقيقة، إذ هو الغني الذي لا يفتقر، والعادل الذي لا يجوز عليه العجز ولا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب؛ وهذا هو الملك على الحقيقة، فهو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء بالحكم والأمر إن كان محقاً، وبالتخلية والتمكين وتهيئة الأسباب إن كان مبطلاً لتكمل عليه الحجة، ويطالبه بموجب شكر النعمة، فإن عمل بالملك بما أمره أعطاه خير الدنيا وثواب الآخرة، وإن خالف ذلك أنزل به عقوبة الكافرين في الدنيا والآخرة أو في الآخرة، ولا يمتنع ذلك في الحكمة، ولا تلحقه بالجور، إذ الباري سبحانه قد أعطى الكفار ابتداءً ما يمثل لك الدنيا جميعاً لو خيَّره أهل العقول من العاقبة والجوارح السليمة، والعقل الذي به كمال النعمة؛ فإذا جاز فعل ذلك لمن لا يستحقه لتكمل عليه الحجة، فإضافة ما هو دونه إليه لا مانع منه في الحكمة لمثل ذلك؛ ولأناَّ قد شاهدنا الملك منتظم لإنسان دون إنسان ممن طلبه، وربما أن المحروم أحرم وأكمل ممن ناله وأدركه بمساعدة المقادير وتهيئة الأسباب.(1/548)
والكلام في قوله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله: ?تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ? على نحو ذلك، ومعناه ظاهر جعل بعض خلقه ملكاً، وبعضهم سوقة، وبعضهم مالكاً، وبعضهم مملوكاً، وبعضها ذكراً في موضع العزة والتصرف، وبعضهم أنثى في موضع الذلة والانقياد، وكل هذا لحكمة ومصلحة تعود على العباد؛ فأراد سبحانه من الغني والملك والعزيز الشكر، وأراد من الرعية والفقير والضعيف الصبر والشكر، تكليف وتعبَّد يعود نفعه على العبد؛ لأن التكليف نصفان نصف صبر، ونصف شكر؛ والصبر أفضلهما فهذا ما يتوجه عندنا في معنى هذه الآية، والله أعلم.(1/549)
مسألة
قوله تعالى: ?وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ?[يونس:88] كيف يجوز للنبي أن يدعو بذلك، وكيف يجوز من الله سبحانه وتعالى أن يجيب من دعاه بذلك؟.
الكلام في ذلك: إن الدعوة لم تقع إلا على من علم الله سبحانه أنه لا لطف له ولا رجعة، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما هو الواجب عقوبة من الله تعالى، وأما إجابة الباري فهو أجاب فيما يفعله تعالى، والإجابة تكريماً وتشريفاً، كما تشفع الملائكة فيمن ارتضاه لزيادة المنازل ورفع الدرجات فهو تعالى لم يجب إلا فيما يجوز أن يفعله، ويلزم في الحكمة فعله من تعذيب عذابه لأنه لولم يعذبهم لكان ذلك إغراءً بالمعاصي ولما يتميز الولي من العدو، ولكان تمكيناً للظالمين من الظلم الذي لم يقع في مقابلته الجزاء ظلم، والله يتعالى عن ذلك كله .(1/550)
مسألة
في قوله تعالى: ?وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ?[الأنفال:44] كيف يصح رؤية البعض دون البعض والحال واحدة؟.
الكلام في ذلك: إن الله تعالى صرف الشعاع عن بعض المقاتلين، ولم يصرفه عن بعضهم، وصورة الحال فيه أن يجعل بين المقابل وبين الناظر حائلاً لطيفاً على حد ما يمنع نفوذ البصر ويجلي جهة من يريد إدراكه، وقولنا للمجبرة والمشبهة ومن يثبت الرؤية لا يجوز أن يكون على أيدينا ولا نراه بشرط ارتفاع الموانع، وهم لا يثبتون بيننا وبين الباري تعالى لأن ذلك يوجب كونه جسماً، وهم لا يتجاسرون على إطلاق ذلك وإن كان يلزمهم.(1/551)