مسائل كثيرة في التفسير
مسألة
في قوله تعالى: ?فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ?[التوبة:55].
الكلام في ذلك ومن الله نستمد التوفيق والمعونة: إن الله تعالى نهى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخل في قلبه العجب بأموالهم وأولادهم، فتعظم عنده حالهم وهو حقير عند الله، ولا تعدل الدنيا عنده جناح بعوضة، ولولا ذلك لما سقى الكافر منها شربةً، فوجه الأمر في النهي إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمراد أمته وذلك كثير في كتابه سبحانه، وهذا في أمر الكفار تأسية لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا?[التوبة:55]، وتعذيبه لهم في الدنيا بالأموال والأولاد إنما هو بهمِّ حصول الأموال وحفظها بعد حصولها، والحسرة عليها، والأسف عند فواتها أو فوات شيء منها، وكذلك فيما يقع على الأولاد من الأمراض والعوارض والموت، فكل ذلك تعذيب فيما نعلمه، ووقوع ذلك على وجه الانتقام، كما طمس على أموال آل فرعون لا يقع فيه عوض، فهو عذاب محض على الحقيقة لا تجبر مسرة حصوله مضرة ذهابه.
وقوله تعالى: ?وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ?[التوبة:55] تزهق تذهب وتبطل، والكافرون المعطلون لنعم الله تعالى بالجحدان والعصيان، فهذا ما توجه عندنا في معنى هذه الآية، ومن الله نستمد التوفيق.(1/542)


مسألة
قوله: ?وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ?[النساء:33] فما معنى الموالي هاهنا والذين عاقدت الأيمان منهم؟.
الجواب عن ذلك: إن المولى في أصل اللغة ابن العم، والقريب، والناصر، والحليف، والأولى، والمالك للتصرف، والمُعْتِق، والمُعْتَق؛ والموالي فيما ترك الوالدان هم بنو العم، ومما ترك الأقربون الناصرون، والذين عاقدت أيمانكم موالي أيضاً بالحلف، وكانوا يتوارثون بالحلف بالجاهلية وصدراً من الإسلام، ثم نسخ الله ذلك بآيات المواريث للعصبات، وذوي السهام، وذوي الأرحام.(1/543)


مسألة
قوله تعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً?[النساء:92] هل إلا هنا بمعنى ولا، فكيف يصح أن يقال فيه: له أن يفعله أو ليس له أن يفعله، وإن كانت إلا حرف استثناء فكيف يصح الاستثناء لشيء لم يدخل تحت المستثنى منه، وما معنى قوله في آخر الآية ?تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ?؟
الكلام في ذلك ومن الله نستمد التوفيق والمعونة: إن الله تعالى أخبرنا بمصالح ديننا ومراشد أمرنا، وبيَّن لنا الأحكام، وبيَّن الحلال من الحرام فقال تعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا? فنفى جواز قتل المؤمن، وأكد حرمته من المؤمن لاشتراكهما في الإيمان والأخوة الدينية، وإن كان الكافر لا يجوز له قتل المؤمن أيضاً، وإنما خص المؤمن بالذكر ليعظم حرمة الإيمان العاصمة لمن عقلها عن ارتكاب العظائم، واقتراف المآثم، ثم قال تعالى: ?إلا خطأً? فاستثنى من القتل لا من الجواز، ومعلوم أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأً وهما في حالة الإيمان على سواء فالإستثناء مما يمكن وقوعه، ومعلوم أن ذلك لا يمتنع ولا يستحيل، بل قد وقع وقد أخرج الإستثناء بعض ما يصح لأن القتل على نوعين، فحظر على المؤمن أحدهما، وعقبه بالوعيد، وجرى الثاني مجرى المباح لخروجه عن باب التكليف لأن الله تعالى [لا] يجوز أن يكلف عبده ما لا يعلم لأن ذلك قبيح، والله لا يفعل، ووكده تعالى بالتوبة في آخر الآية قابل به توبة العبد، فحد اللفظ باللفظ، وأصل التوبة الرجوع، ثم صار بالعرف رجوعاً مخصوصاً، ثم نقله الشرع الشريف على مقتضى الأصول غى الندم على ما ارتكب من المعاصي،(1/544)


والعزم أن لا يعود إليها لأجل قبحها، وهي من منّ الله على من تاب، وفي القرآن الكريم: ?إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ?[الحجرات:12]، وقوله تعالى: ?ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا?[التوبة:118] رجع إليهم ليرجعوا، وقوله: توبة والله أعلم: رجعة.(1/545)


مسألة في تفسير الأكنة على القلوب، والوقر في الآذان،
وكيف يصح أن يجعل الله مع ذلك عقوبة في حال التكليف إن كان المراد به ذلك؟
الكلام في ذلك: إن الله تعالى شبَّه حالهم بحال من لا يعقل ولا يسمع، فصارت القلوب كأنها في أكنة، والآذان كأنها موقورة، والجعل هاهنا بمعنى الحكم، وعلى وجه آخر أنهم -أعني المشركين- كانوا قد تعاهدوا في بعض أوقاتهم على أنهم إن سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ أنزلوا به مضرة وشراً، فكان سماعهم للقرآن والحال هذه مفسدة في علم الله سبحانه وتعالى، فجعل الوقر في آذانهم، والأكنة على قلوبهم في تلك الحال دون غيرها، وحكى تعالى ما كان.
وأما قوله: كيف تكون العقوبة مع بقاء التكليف؟ فالعقوبة تستحق من يأتي الفعل، وإنما لا تستمر العقوبة لأنها تزيل حكم التكليف لوقوع الإلجاء بتعجيل المضرة، فأما ما ينقطع فلا يؤثر في زوال التكليف، لأن الله تعالى يقول في أهل النار: ?وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ?[الأنعام:28] فكيف ينفصل عن قريب، فلا يمتنع حصول العقوبة مع بقاء التكليف كما فعل في آل فرعون بالطمس على أموالهم إلى جميع أنواع الرجز التي أنزلها عليهم، فلا يمتنع كون بعضها عقوبة، وفي بعض أوقاتها، ولبعض المكلفين دون البعض، وقد سمَّاه الله رجزاً وأقرهم عليه، والرجز: هو العقاب دون المحنة في لسان الشريعة النبوية.(1/546)

109 / 170
ع
En
A+
A-