لنا أيضاً: ما ذكره المنصور بالله في كتاب "شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة"، وهو ما لفظه:
أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع عترته المطهرة، فخالفوه في ذلك، ولهم أتباع في كل وقت يقتفون آثارهم في خلاف العترة المطهرة حذو النعل بالنعل، بل قد تعدوا على ذلك أن قالوا هم أولى بالحق، واتباعهم أوجب من اتباع هداتهم، فردوا بذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((قدموهم، ولا تَقَدَّموهم، وتعلموا منهم، ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم، فتضلوا، ولا تشتموهم، فتكفروا))، وهذا نص في موضع الخلاف، لا يجهل معناه إلاّ من خُذِل.
تم كلامه عليه السلام.
وقد ظهر الجواب على صاحب هذه المقالة بما فيه كفاية، والزيادة على هذا لا تفيد أكثرمما تفيد، ولا حاجة بنا إلى الإسهاب، وإن كانت الأدلة بحمد الله متناصرة، والبراهين على ذلك متظاهرة.
[حكم من ضعّف روايتهم]
وأما المقام الثاني: وهو في حكم صاحب هذه المقالة، ولا شك أنه أوهم إلى أن العترة غير عدول، ولا إتقان فيما اختصوا به من الرواية، وعلموه من الهداية، وهذه ضلالة وعماية وجهالة، وقد سبق كلام المنصور بالله عليه السلام آنفاً، فخذه من مكان قريب، والله المؤمل لإرشاد السبيل، وهو حسبنا وكفى ونعم الوكيل.(1/246)
المسألة العاشرة:
ما تراه العترة الطاهرة فيمن صوّب نشوان بن سعيد في هذيانه، وما أطلق به أسلّة لسانه، من الأكاليم المعوجة، السالك بها في غير محجة، المدلي بها من دون دلالة ولا حجة، وكان من كلام هذا المنتصر لمذهب نشوان: هذا هو الصحيح الذي لا ينبغي خلافه - يعني مساواة نشوان بأهل البيت غيرهم - ما يكون حكم صاحب هذه المقالة ؟
الجواب والله الهادي إلى نهج الصواب:
أن حكم المائل إلى مذهب نشوان حكم نشوان، وقد حكم عليه المنصور بالله بقطع لسانه وقتله.
قال عليه السلام في أرجوزته المعروفة:
أما الذي نصت جدودي فيه .... فيقطعون لسنَه من فيه
ويؤتمون ضحوةً بنيه .... إذ صار حق الغير يدعيه
وهذه رواية المنصور بالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، ولا أصدق منه راوياً، ولا أفضل هادياً، رضينا بحكمه وروايته، واكتفينا بهديه وهدايته.
وقد مرّ شيء من الكلام على خراريف نشوان بن سعيد، وكشف ما أوهم به العامة، ورجف به على من لا نباهة له، ولسنا بحمد الله ممن يفزع بالأراجيف، ولا ممن يخدع بالخراريف، وقد قلت مرتجلاً:
بقِّ على نفسك يا نشوَان .... أنت بما قلت لنا نشوَان
زعمت أن الآل أتباع النبي .... وملت فيما قلته عن النبي
إن الذين للنبي آلُ .... أسباطه وغير هذا آلُ
نص الرسول في النصوص المبرمة .... على الزكاة أنها محرمة
قال على محمدٍ وآله .... قولاً جلياً فاض من مقاله(1/247)
وجازت الزكاة للأتباع .... بلا خلاف وبلا نزاع
فصح أن آله أولاده .... من لم يوافق ساءه ميلاده
وإن أتى في الذكر ذي الإعجاز .... خلاف ذا فهو من المجاز
كما أتى في يده والجنب .... والعين والوجه الذي للرب
ما الآل إلاّ الأهل والقرابة .... في منطق سائل به إعرابه
وكل قول غير هذا خطل .... ينكره رؤبتهم والأخطل
وافتح متى شئْت صحاح الجوهري .... أقواله مثل صحاح الجوهر
وعزز القول بديوان الأدب .... وكل منهاج إلى لفظ العرب
تلق كلامي غير ذي اعوجاج .... بل مشيه في واضح المنهاج
وإن نشوان بهذا عَارف .... لكنه بما أتاه هارف
أُتِيتَه من حدة المزاج .... في شمسه وهي الظلام الداج
ليس مصيباً كل سهمِ رامي .... يرمي الفتى ويخطي المرامي
مسكين نشوان أراد الفضلا .... وأن يكون للنبي أهلا
ليس له من أمره ما رامه .... ومن عجيب أمره الإمَامَة
قد ادعاها وهو منها عُطْل .... أحلامه في الوعد منها مطل
لوتم هذا لادعتها التركُ .... ولم يسعهم عن قيام تركُ
إن كثيراً أن يسمى قاضي .... وقد أرى وصفيه في انتقاض
لم يك خلفاً لا ولا أَماما .... لا قاضياً كان ولا إمَاما
بل كان من جملة أبنا حمير .... وكان ذا علم بكل دفتر
لكن إذا لم يكُ في العلم عمل .... فما لمولاه لدى الله أمل(1/248)
عجبت منه وهو يأتي بالعجب .... إذ أنكر الآل بنيَّ المنتخب
ما ضره أن بني الزهراءِ .... آلُ النبي خاتمِ الأنباءِ
وأن يكون من أحب صاحب .... للسادة الأفاضل الأطايب
لكن أحب أن يكون داخلا .... في جملة الآل مقالاً باطلاً
من دون ما رام علوم زاخرة .... وحجج مثل السيوف الباترة
وساده في كل عصر نجْمُ .... تعنو له العُرْب معاً والعجْمُ
اليوم فينا الناصر المنصورُ .... محمد الخليفة المشهورُ
أقواله مثل سيوف الهند .... وعلمه كالزاخر الممتد
ووجهه كالبدر وسط الهالة .... في حسنه والنور والجلالة
وهيبة تختطف الأرواحا .... لولاه يجلو مبسماً وضاحا
ورحمة يوسعها الأبرارا .... وسطوة تنتقم الأشرارا
وراحة كأنها الغمطمط .... منها اللآلئ دائماً تلتقط
ومقول كأنه حِسام .... لكل قول بدعة حسَّام
يا ابن الإمام والإمام الناصر .... ومن له الفضل العظيم الباهر
ومن به تفتخر الأئمة .... ومن تراه في الكمال أُمَّة
إليك قولاً عن هموم واصبة .... لقول أصناف العداة الناصبة
هم أنكروا نصاً من الله العلي .... على علي يا بن مولانا علي(1/249)
وحرفوا ظاهره بالإفك .... وجعلوه موضعاً للشك
وانظر إلى مالهم من زعم .... قد أنكروا يوم غدير خمّ
أَن النبي لم يرد بالمولى .... إلاّ النصير كذبوه قولاً
ولم يرد قالوا به الإمامة .... يا ويحهم من هذه الظلامة
وأنكروا من بعد فضل عترته .... وفضّلوا زوجته على ابنته
وصغّروا من حقهم جليلاً .... وأنكروا إجماعهم دليلا
وأنكروا لا بَرِحُوا في الهاوية .... لعن ابن هند ذا الشقا معاوية
ثمة قالوا في يزيد نوقف .... لأنه استبهم ذاك الموقف
لم يعلموا من كان رب المقتل .... قد جَهِلوا قتل الحسين بن علي
عقولهم بما ادعوه مسقطة .... وهذه من الدعاوي سفسطه
وجهلوا قاسمنا الرسيا .... وصار نسياً عندهم منسيا
ونسبوا التلبيس في العباد .... إلى الإمام بن الإمام الهادي
وأنكروا مذهبه المرضيا .... وأصبح الأمر به مقضيا
ثمة لم يرضوا بهذا كله .... حتى أتوا من إفكهم بكَلِّه
لَذَّ لهم ما قاله نشوان .... وهو كلام كله عدوان
وراقهم زخرفه وصوَّبوا .... وصعّدوا في أمره وصوبوا
وهو كلام بالدليل فاسد .... ما قاله إلاَّ عدو حاسد
وقد مضى افتضاحه في زوره .... ونفحة المسك على تزويره(1/250)