قلنا: التكفير والتفسيق به مذهب جماعة قد أحكموا الأدلة والبراهين على صحته، ومن سلك منهاجهم وكان من أهل النظر لم يلزمه الخروج عنه بمجرد كلام عالم من جملة العلماء ذهبَ إلى خلاف مذهبهم.
وقد روي أن رجلاً سأل علياً عليه السلام عن الخوارج فقال: أكفارهم يا أمير المؤمنين؟
فقال: من الكفر هربوا.
فقال: أمؤمنون هم ؟
فقال: لو كانوا مؤمنين ما قاتلناهم.
فقال: ففيم القتال ؟
فقال عليه السلام: إخواننا بالأمس بغوا علينا.
ولأن تكفير أهل القبلة ليس بأبلغ من قتلهم وقتالهم، وإذا ساغ القتل ساغت التسمية.
النظر الثالث: أن مذهب الهادي عليه السلام لا يُعاب إلا بما فيه من المشقة والتحرز في العبادات والبياعات، والأنكحة، وما شاكلها، والتكليف وارد بالمشقة، ومخالفة الدعة، وهذا معروف من مذهبه عليه السلام، لا يستطيع أحد إنكاره، فهذا العيب من جنس قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب
إذا ثبت هذا، بقَّيْنَا أئمة العترة على سواء في الاقتداء بمنارهم، والاهتداء بأنوارهم، وقد اختار أئمتنا المتأخرون مذهب الهادي عليه السلام، وقرروه واعتمدوه وهذبوه وشيدوه، وعليه مضى علماء اليمن، وفرسان الفرائض والسنن.(1/241)
فإن قيل: فمن الأولى بالترجيح من الأئمة ؟ وهل إلى هذا الترجيح طريق أم لا ؟
قلنا: إذا كان لا بد من الالتزام لمذهب إمام من الأئمة الكرام، كان مذهب إمام الزمان؛ لأن تقليد الحي أولى من الميت، وقد ذكر هذه المسألة المهدي أحمد بن الحسين عليه السلام، قال سائله:
مسألة فيمن كان على مذهب المنصور بالله عليه السلام، والتزم مذهب المهدي عليه السلام اختياراً، ولم يكن من أهل الترجيح، هل يكفيه ذلك ؟ أو لابد من الترجيح، أو التزام إمام الزمن؟
قال عليه السلام: كونه إمام زمانه وجه ترجيح ؛ لأن طاعته واجبة عليه، ولا يكمل دينه إلا بذلك، ولا فائدة في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)) إلا وجوب طاعته، والأخذ بقوله، فأما معرفة شخصه فلم يقل أحد بوجوب ذلك.
ثم سئل: هل تقليد الحي أولى من تقليد الميت ؟
فقال عليه السلام: الجواب: أن تقليد الحي أولى، والوجه في ذلك ما ذكرناه في المسألة الأولى.
ووجه أخر، وهو أن الله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر، والسؤال الذي يعقل منه هو سؤال الحي، لا سؤال الميت.
هذا كلام الإمام المهدي عليه السلام، وبه تم الكلام في الموضع الثالث.
فأما المسلك الرابع: وهو فيما يلزم من الإنكار على صاحب هذه المقالة المتقدمة، فقد تقدم الجواب وبيانه في جواب المسألة الأولى وأمثالها.(1/242)
المسألة التاسعة:
ما تقول العترة الزكية فيمن ضعّف أسانيد الأئمة المطهرين، وكان في كلامه فيما روي عنه أنه قال: ما رواه الهادي عليه السلام، والقاسم وأبناؤهما من أكابر الأئمة وسادات الأمة، فلا ينبغي الاعتماد عليه، مالم يكن في الصحاح الستة، ما حكم صاحب هذه المقالة ؟ وما جوابها؟
الجواب والله الهادي إلى الصواب: ينحصر في مقامين:
الأول: في حكم صاحب هذه المقالة.
والثاني: في جوابها.
[الجواب على من ضعّف رواية الأئمة عليهم السلام]
أما جوابها وقدّم لأنه الأهم والعمدة، فقد كفى في الجواب في هذه المسألة الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة في كتاب "مشكاة الأنوار"، وقد سأله بعض الشافعية عن مثل ذلك، فقال عليه السلام ما لفظه:
اعلم يا فقيه - هداك الله - أن أئمة الزيدية ومن تابعهم من أعظم فرق الإسلام، وأحسنها عقيدة، وأنفذهم بصيرة، وأئمتهم هم الدعاة إلى الدين، وهم أئمة المسلمين، متميزون عن سائر الفرق بخصال كثيرة، لا يمكن عدها، ولهم في ذلك كتب، وأقاويل وأنظار، وإجتهادات، وعلوم قد أتقنوها، وفتاوى قد حصلوها، وهذا الخبر قد نقلوه في كتبهم، وهو من أحاديث الوعظ والتذكير والترغيب، وظاهره الصحة، فليس ينبغي رده بالوهم والاستبعاد، وليت شعري من أين وجه الضعف ؟ من جهة كونه لم يدوّن في الصحاح السبعة، فالذي في الصحاح السبعة محصور مضبوط، والمنقول عنه صلى الله عليه وآله وسلم ألف ألف حديث، فلعل هذا الحديث مما لم يعد في الصحاح، بل هو من جملة هذه المعدودة.(1/243)
أو تعني أنه ضعيف في الرواية، فللأحاديث روايات كثيرة وطرقٌ، السماعُ والإجازةُ والمناولةُ، فلعل هذا الحديث مبني على أحد هذه الطرق، ولو تفاوتت في القوة والضعف.
أو تعني أنا نكذبه ونرده، مع كونه مسطوراً في كتبهم، فهذا خطأ، فليس ينبغي رد الأحاديث بالوهم.
ثم ما يتطرق إلى أحاديثهم يتطرق إلى أحاديثكم، فما جاز في تلك، جاز في هذه.
ثم إن هذا الحديث دال على فضل علي عليه السلام وشيعته، ولهم أخبار كثيرة اشتملت عليها كتبهم، فلا وجه للتخصيص بالانكار لهذا الحديث، تم كلامه عليه السلام...
فائدة، الخبر المشار إليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم، ثم التفت إلى علي عليه السلام وقال: هم شيعتك، وأنت إمامهم))(100) رواه في شمس الأخبار، وكان السؤال عنه وعن شمس الأخبار، وقد استوفيت كلام الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة لمزيد فوائد، دخلت في ضمن الجواب لا تخفى على الناظر.(1/244)
لنا أيضاً: قد تقرر ترجيح مذهب العترة المطهرة على غيره من المذاهب، ومن جملة مذهبهم الرجوع إلى أسانيدهم ورواياتهم، بل هم بالرجوع إليها أولى، ولهم خصيصتين ليست لغيرهم بما هداهم الله إليه من سلامة العقائد الإلاهية، التوحيدية، والعدلية، وما لهم من الورع العظيم، وصدق اللهجة.
____________
([100]) - قال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي في لوامع الأنوار ج/1/140:
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب)).
قال علي عليه السلام: من هم يارسول اللَّه ؟.
قال: ((هم شيعتك، وأنت إمامهم))، رواه الإمام الناصر الأطروش عليه السلام، بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه حسام الدين الشهيد في الحدائق.
قال أيده اللَّه تعالى في التخريج: رواه الناصر للحق، بإسناده عن داود بن شريك السلمي، من محيط علي بن الحسين رحمه اللَّه، ورواه ابن المغازلي، بإسناده إلى أنس بن مالك، عنه صلى الله عليه وآله وسلم. انتهى.
قلت: وأخرجه الحافظ الكنجي، عن أنس بلفظ: ثم التفت إلى علي، وقال: ((إنهم من شيعتك، وأنت إمامهم))، أفاده في الدلائل.
وروى الباقر عليه السلام أن نبي اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن عن يمين العرش رجالاً، وجوههم من نور، عليهم ثياب من نور، ما هم بنبيين ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء)).
قيل: من هم ؟
قال: ((أولئك أشياعنا، وأنت إمامهم ياعلي)) أخرجه حسام الدين في الحدائق، ورواه غيره. انتهى...(1/245)