قلنا(90): إن الأرض قد يطلق ذكرها ويراد بعض الأرض، كما قال تعالى: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}[المائدة:21] وأراد بها أرض بيت المقدس دون غيرها، مع أن الأرض كلها مقدسة ؛ لأنها جعلت مسجداً وطهوراً، كما ورد به الحديث، وقد نبه على ذلك ابن الجوزي في كتاب المدهش، وجعل الأرض أقساماً كثيرة، واستشهد على ذلك بالقرآن الكريم، وإذا ثبت ما أشرنا إليه فالمراد بالأرض في الخبر أرض اليمن دون ما عداها، مع أن الله تعالى قد أحيا بالهادي عليه السلام أرض اليمن والحجاز، وأكثر بلاد الديلم، فإن علومه عليه السلام مصابيح هذه البلاد، والشموس المنيرة في أغوارها والأنجاد.
______________
([90]) - من كتاب تفسير الشريعة لورّاد الشريعة تأليف القاضي العلامة أحمد بن صالح بن أبي الرجال رحمه الله، ما لفظه ولعلك:
تقول أرشدك الله: أن يحيى عليه السلام لم يملأ الأرض جميعها، وتتوهم أن معنى إمتلاء الأرض بالعدل أن لا يوجد جَوْر.
وهذا أبقاك الله ما قد اتفق للأنبياء فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}[يوسف:103] وإنما أراد بالامتلاء أن يشيع عدله ويكون له ظهور وغلبة، بحيث لا يكون العدل خاملاً، مع أن الأرض لا يراد بها مسماها حقيقة باتفاق أين ما جاء ذكرها إلاّ في الخلق؛ ونحوه في قولك: {خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الشورى:29]، فالمراد حقيقتها، وأما عمارة الأرض وما ذكر من الأحكام فلا يتهيأ في كل جزء من أجزائها، وإنما هذا من قبيل: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف:55] ، على أنه قد طار علم يحيى في العراق والحجاز واليمن، وهذه هي الأرض في الحقيقة....إلخ كلامه، من هامش(أ).(1/236)
وأما قول صاحب المقالة الفاسدة: إن مذهب الهادي لا أصل له، فقد قال باطلاً، ونطق إثماً، كيف وعلومه عليه السلام في الشريعة ظاهرة، وتصانيفه في هذه الأمة باهرة، وهذه أوادي علومه زاخرة، ومحققوا مذهبه سادات الدنيا وملوك الآخرة، الهارونيون، والحقينيون، والجُرجَانيون، والأزارقة، أيدوا بعلومه الإيمان، وملأوا بها جيلان وديلمان، وجعلوا كلامه كالقرآن، واستولوا في تهذيبه على قصبات الرهان.
ولما بلغ الناصر الكبير علم وفاة الهادي عليه السلام، بكى بنحيب ونشيج، وقال: اليوم انهد ركن الإسلام.
وعرض ذكر الهادي عليه السلام في مجلس الناصر عليه السلام، فقال بعض الحاضرين: كان والله فقيهاً، فضحك الناصر وقال: ذاك والله من أئمة الهدى.
وفضائله عليه السلام ظاهرة الأعلام، وظهورها في محالها من الكتب المفردة لها تغني عن الإستظهار، فليطالعها من لم يرضَ بالاختصار والاقتصار.
فكيف يقال لا أصل لمذهبه؟! وهل يتجاسر على هذه المقالة إلاّ مَارق أو منافق ؟ نعوذ بالله من الحور بعد الكور، والعجب ممن يدعي البصيرة ويطلق لسانه بالكذب، والبصائر نور وهدىً، وهذه المقالة ضلالة وعمى، وصاحبها ذو عمى لا ذو بصيرة.
وقد قال الإمام يحيى بن حمزة: البصيرة العمياء خير من البصيرة الحولى.
قلت: لأن العمى الخالص يتحرز معه صاحبه عن الوقوع في المهاوي، ولا يسير في الغالب إلاّ ومعه قائد يرشده إلى السلامة من المهالك، ويدله على السهل من المسالك.(1/237)
وصاحب العين الحولى ناقص البصر، فهو يُدِلُّ باسمية البصرية حتى يتهور، ويُظْهر الغنية عن المرشد والقائد حتى يتكور، وهذه صفة صاحب البصيرة الحولى، يُخيل له الشيطان أنه نادرة الفلك، ونكتة الدنيا، وحجة العصر، ومفزع العلماء، وعميد الفضلاء، وأنه إليه يرجع الغالي، وبه يلحق التالي، فهو بزعمه سوي البصيرة، ملكي السريرة، يرشِدُ ولا يُرشَد، ويجل أن يَنْشد بل يُنشَد، فما قاله بزعمه فهو الصواب، وما رآه فهو ثمرة ما جاء في السنة والكتاب، ولم يدرِ أن مسيره مع أوتاد الحلوم، وأقمار العلوم، مسير السها مع النجوم، بل هو في العلقة بسفر هذه العير نازل منزلة القراد بمنسم البعير:
متى كان حكم الله في كرب النحل
وهذه صفة صاحب هذه المقالة، العادم يوم التناد للإقالة، الطالي لوجهه بقار سوء القالة.
اللهم إنا نعوذ بك من شقائه، أو أن تصيبنا بنجاسة أعقابه.
فائدة: قال الجاحظ: الناس على أربعة أضرب:
· منهم من يدري، ويدري أنه يدري.
· ومنهم من لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري.
· ومنهم من يدري، ولا يدري أنه يدري.
· ومنهم من لا يدري، و يدري أنه لا يدري.
وصاحب هذه المقالة من الضرب الذي لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري.(1/238)
ولله القائل:
يصيب ولا يدري ويخطي وما درى .... وليس يكون الجهل إلاّ كذلك
وهل يَنْسب التلبيس إلى من نفاه، والجهل إلى من اختاره الله لهداية خليقته واصطفاه، إلاّ من عدم دواة شفاه، {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ}[الرعد:14]،
ما ضرّ تغلب وايل أهجوتها .... أم بلت حيث تناطح البحران
نعم: قد قدمنا الإشارة إلى ترجيح مذهب العترة المطهرة، وأما الأئمة في ذات بينها، فالمتمسك بمذهب أحدهم ناجٍ ؛ لأنهم أسباط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأولاد البتول، وحجج ذوي العقول، وأبواب مدينة العلم المعقول منه والمنقول، وقد وردت الأحاديث الجمة في سلامة من اتبع أئمة الهدى، واقتدى بمصابيح الدجا، وحسبك بالحديث المشهور: ((أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى))، وأمثاله من الأحاديث النبوية، والآيات المصطفوية، التي قضت لمتابعيهم بالنجاة، ولمشايعهم بطيب الحياة.
من تلقَ منهم تقل لاقيت سيدهم .... مثل النجوم التي يسري بها الساري(1/239)
وقد سُئل الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام عن اختلاف أئمة العترة في أشياء من مسائل الفروع، وسأله السائل أن يرجح له في التقليد واحداً من الأئمة، فكان في جوابه: أن الأخلق بلجام التكليف، التزام واحد من الأئمة في رخصه وعزائمه.
ثم قال الإمام ما معناه: إنهم على سواء في الفضل، فإذا كان لا بد من تعيين واحد منهم بالتقليد، فالإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، لبعده عن الإِكفار.
قلت: كلام الإمام يحيى في ترجيح مذهب المؤيد بالله عليه السلام لعدم تكفيره المجبرة، فيه نظر من وجوه:
الأول: أن المشهور من مذهب المؤيد بالله تكفير المجبرة في قوله الشهير، رواه الفقيه محمد الديلمي رحمه الله، وروى الأمير صلاح بن أمير المؤمنين عن الأمير الحسين بن محمد قدس الله روحه، وأظنها رواية عن المنصور بالله عليه السلام أيضاً، وروى الديلمي رحمه الله تعالى عن السيد أبي عبد الله: إجماع أهل البيت عليهم السلام على تكفير المجبرة، وقال: ما روي عن المؤيد بالله من خلاف ذلك محال عنه.
وقيل: بل روايتان في ذلك، والرواية الصحيحة ما يوافق غيره من الأئمة، وهو قوله الأخير.
النظر الثاني: سلمنا أن المؤيد بالله ذهب إلى أن المجبرة ليسوا كفاراً، فهذا ليس بوجه ترجيح ؛ لأن إجماع العترة منعقد على كفرهم، فقد سبق إجماع العترة قول المؤيد بالله قدس الله روحه.
ونرجع إلى ترجيح الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام لمذهب العترة، وأن مخالفة إجماع العترة لا تجوز، فإن قيل إنما رجح الإمام مذهب المؤيد بالله لأن التكفير بالقياس غير صحيح عنده.(1/240)