فهم فضلاء الأمة، والمخصوصون بعلم الشريعة، خلا أن التنبيه على أن كل واحد منهم قد مال عن السنن الواضح بعض الميل، وصغى إلى الخروج بعض الصغو، وأئمة العترة لا يكاد يوجد لهم مثل ذلك.
فتحصَّل من مجموع ما ذكرناه رجحان مذهبهم على غيرهم من المذاهب، وأنهم أحق بالتقليد، لما ذكرناه من هذه البراهين التي لا توجد في غيرهم، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد البصيرة وعزل عن نفسه جانب الحمية".
هذا كلام الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسكت عن ابن حنبل، والمشهور عنه القول بالتشبيه، وأظن أن قد أشار إلى ذلك في "الانتصار".
قلت: وقد ذكر الفقيه محمد الديلمي في ترجيح مذهب العترة المطهرة وجوهاً كثيرة، لا يسعها إلاّ تأليف مستقل بذاته، ثم إنه ذكر الفقهاء الثلاثة، أبا حنيفة، والشافعي، ومالك، ونزههم عن القول بالجبر، وقال: ثبت عند من عرف الأخبار، واتبع السير والآثار، أنه ما كان لأبي حنيفة ومالك والشافعي كتاب موضوع في أُصول الدين حتى أخذ هؤلاء اعتقادهم منه، بل هذه الكتب كلها محدثة، ومذهبهم ومذهب كل السلف كان ذم الكلام، حتى روي عن الشافعي أنه قال: من عرف الله بالكلام تزندق، وقد حمله الرازي في مناقبه على أن المراد به كلام أهل البدعة.(1/231)
قال الديلمي: ومن أصحاب الشافعي المعروفين بالنزاهة عن القول بالجبر، والقائلين بالتوحيد والعدل، على القانون المرضي، المزني، والبويطي، والربيع، وحرملة، وأبو بكر الصيرفي، وأبو بكر الدقاق، وأبو بكر الشاسي، وغيرهم.
قال: وأيضاً قد ذكرنا أن مذهب الأشعري حدث بعد الشافعي، فكيف يكون الشافعي عليه ؟! وهذه مناقضة ظاهرة، فإذا تعارضا تساقطا.
واحتج على أن الشافعي كان زيدياً في الأصول لوجوه خمسة، ليس هذا موضع ذكرها، لبسطة الكلام في شجونها، والذي يدلك على ما قلناه من سلامة عقائد الفقهاء المذكورين، هو ما علم أن مذهب الحنفية في الزمان القديم مذهب المعتزلة، ومذهب المعتزلة قاطبة في الفروع مذهب أبي حنيفة، قال: وحنفيّة زماننا على الجبر المحض، وكذا الشافعية في زماننا، بعضهم على مذهب الأشعرية، وبعضهم على مذهب المشبهة الظاهرية، ولا شك أن المشبهة كفار عند الأشعرية.
قلت: فحصل من مجموع هذه الأشياء أن الأئمة المذكورين لم يعلم من عقائدهم الكلامية ما يخالف أصول الزيدية.(1/232)
وحكى الديلمي رحمه الله تعالى في كتابه رواية عن أبي حنيفة أنه يقول: إن الله يُرَى بحاسة سادسة، كما ذهب إليه ضرار بن عمرو، ثم رجح الاعتماد على أئمة الزيدية، وأوسع براهين الترجيح، وقال: ويدل على فضل مذاهبهم في الفروع أيضاً، أن كل فرقة أحدثوا بدعة في مذهبهم غير أئمة الزيدية، وذلك ما روي عن الشافعية جواز اللعب بالشطرنج وغيره، وعن الحنفية جواز شرب الخمر المثلث، وهو خمر عند العلماء، وعند المالكية عموم الأخذ بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)}[المؤمنون].
قلت: صرح الديلمي رحمه الله تعالى عن المالكية بلفظ كرهت إثباته، وأشرت إليه بإيراد الآية الشريفة.
قال: وعن الإمامية جواز المتعة، وهي نوع من الزنا عند العلماء.
ثم إن الديلمي رحمه الله أورد أبيات المعري، التي ذكرها نشوان بن سعيد في رسالة "حور العين"، التي قال في أولها:
الشافعي من الأئمة واحد .... ولديهم الشطرنج غير حرام
ولم أرَ ذكرها لما فيها من الشناعة.
وقد قال الديلمي رحمه الله تعالى بعد أن سردها:
وكان محبوبنا أن لا نذكر شيئاً من هذه الأشياء الموحشة ؛ لأن ذكر الوحشة وحشة، إلاّ أن يُقْصَد بها تبيين الأشياء.(1/233)
قال: وعند الضرورات تباح المحظورات.
قلت: حصل مما ذكره المؤيد بالله يحيى بن حمزة رحمه الله، والفقيه محمد الديلمي رحمه الله، ترجيح مذهب الزيدية، والاعتماد عليه في الفروع، فأما أصول الدين، فالتقليد لا يصح، ولا يجوز فيها على الصحيح.
[بعض فضائل الهادي عليه السلام]
وأما الموضع الثالث: في التنبيه على فضائل يحيى عليه السلام، فقد أفرد لها أصحابنا كتباً مجلدة، ومن أجمعها لفضائله الكتاب المعروف بكتاب "الفضائل اليحيوية" وأمثاله، وهاهنا القصد نفحة من تلك النوافح المسكية، والروائح الطيبة الزكية.
وروى الفقيه حميد رضي الله عنه عن بعض علمائنا رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يخرج في هذا النهج - وأشار بيده إلى اليمن - رجل من ولدي، اسمه الهادي، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يحيي الله به الحق ويميت به الباطل))، فكان عليه السلام هو الذي أحيا الحق في اليمن، وأمات الباطل، وروي أخبار رفعت إلى علي عليه السلام أنه قال: (سلوني قبل أن تفقدوني، أيها الناس ما من فتنة إلاّ وأنا أعرف سائقها وقائدها، ثم ذكر فتنة بين الثمانين ومائتين، فيخرج رجل من عترتي اسمه اسم نبي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يميز بين الحق والباطل، ويؤلف الله قلوب المؤمنين على يديه، كما تتألف قزع الخريف، انتظروه في الأربع والثمانين ومائتين، في أول سنة واردة وأخرى صادرة).(1/234)
قال الفقيه حميد: ومن نظر في الأمور، علم أنه عليه السلام المراد بالخبر، لأنه وصل اليمن سنة أربع وثمانين ومائتين، وكانت الفتنة قد ثارت(89) في اليمن، فأطفأها الله بوصوله عليه السلام.
قالوا: إن هذا الخبر المروي عن علي عليه السلام صرح أن هذا القائم المشار إليه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، والهادي لم يملأ من الأرض عدلاً إلاّ أرض اليمن دون سائر الأرض، فليس الخبر على ظاهره.
____________
([89]) - قوله:وكانت الفتنة قد ثارت في اليمن من خط علامة الشيعة علي بن حسن بن حسين جميل رحمه الله، ما لفظه:
الفتنة الثائرة باليمن عند وصوله عليه السلام هي كانت بين قبيلتين من قبائل صعدة المقدسة قد ذكرها صاحب سيرته عليه السلام، فوصل في ذلك اليوم وقد كادت الحرب بينهم أن تنشب ومراجلهم تغلي فأصلح عليه السلام بينهم بعد ما وعظهم وخطب فيهم فاصطلحوا، ولم يرجع إلى رحله إلاّ وقد إختلطوا وطابت نفوسهم وبايعوه جميعاً، وهذا فائدة الخبر المروي فيه عليه السلام، يؤلف بين قلوب المؤمنين على يديه، من هامش(أ).(1/235)