[النصوص النبوية الدَّالة على ترجيح مذهبهم]
المسلك الأول: ما ورد من جهة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الثناءِ عليهم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر المشهور: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))، فهذا الخبر دال على أن العترة متمسك كالكتاب.
الخبر الثاني: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى))، فهذا الخبر دال على أنهم كالسفينة، فكما أن السفينة منجاة للأبدان من الغرق، فكذا أهل البيت منجاة للأبدان من الهلكة.
الخبر الثالث: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كالنجوم، كلما أفل نجم طلع نجم)) فكما أن النجوم يقتدى بها في ظلمات البر والبحر، فكذا حال العترة يهتدى بهم في ظلم الشبه والحيرة.
الخبر الرابع: قوله صلىالله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كنجوم السماء، فإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون)).(1/226)


الحديث الخامس: قوله صلى الله علي وآله وسلم: ((الأئمة من قريش))(80)، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صرح لهم بالإمامة، كانوا أحق بالقدوة، هذه الأخبار كلها دالة على أولوية الاتباع لأقوالهم، والاعتماد على مذاهبهم.
______________
([80]) - للمولى الإمام/ مجدالدين المؤيدي أيده الله تعالى بحث نفيس حول هذا الحديث في كتابه مجمع الفوائد ط1/ 277.
وهذا الحديث في : سنن البيهقي الكبرى 8/143 برقم 16317، مسند أحمد 4/421 برقم 19792، المستدرك على الصحيحين 4/85 برقم 6962، مسند أبي يعلى 6/321 برقم 3644، مسند أبي داود الطيالسي 0/125 برقم 962.(1/227)


[ترجيح مذهب العترة بالدليل النظري]
المسلك الثاني: أنه قد قام البرهان الشرعي على أن إجماعهم حجة قاطعة، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا يأمن مَنْ قلّد غيرهم أن يكون مخالفاً لإجماعهم، فلا يكون آمناً للخطأ، بخلاف غيرهم من سائر علماء الأمة، فهذا الأمر غير حاصل في حقهم، فلأجل هذا كان اتِّباعهم أرجح من الإقتداء بغيرهم، وفي هذا ما نريده.
المسلك الثالث: ما خصّهم الله به من الخصال الشريفة في العلم والورع والتقوى، فأما مذاهبهم في الإلاهيات فمستقيمة على قانون الحق في وجود الله تعالى، وصفاته الذاتية، ومستقيمون على الطريقة الصحيحة في حكم الله تعالى، وهكذا القول في (مصطَّراتهم) الشرعية الاجتهادية، وأنظارهم في المسائل الشرعية، لا تخالف فروعهم أصولهم، ويعدلون عن المذاهب الغريبة، ويستقيمون على مألوف الشرع، لم يسقط أحد في نظره عن القضايا العقلية، ولا أتى أحد منهم بنظر غريب في المسائل الخلافية، بل هداهم اللَّه إلى أوضح الطريق، وأيمن المسالك وأعدلها، وأقومها على الحق وأوضحها، ومن مارس شيئاً من علومهم العقلية، ومصطراتهم الإجتهادية، عَرَفَ أنها مستقيمة على المنهج الواضح، من غير زيغ ولا ميل، وهذا المسلك إنما يستقيم كل الاستقامة، ويتضح كل الاتضاح، إذا ذكرنا حال غيرهم من علماء الأمة، ممن اقتعد دست الإفتاء، وحاز منصب الاجتهاد.(1/228)


[تأمّل في بعض المذاهب للإيضاح]
فنقول: لم يشتهر بالفتوى، ولا انتحل من العلوم بالنظر الحسن، والقريحة المتقدة، والإجتهاد القوي، من علماء الأمة وفضلائها، إلاّ هؤلاء الثلاثة، أبوحنيفة، والشافعي، ومالك رضي الله عنهم، فإن هؤلاء الذين دونوا الدواوين، ونخلوا العلوم، واتسعوا في الفنون، حتى طبَّقت مذاهبهم الأرضَ، ذات الطول والعرض.
فأما أبوحنيفة: فهو البارع المتقن، المحرز لعلوم الإجتهاد، والحائز لقصب السبق فيه، ولا يجحد فضله، وهو أول من سئل وأجاب في المسائل الأصولية، حكي أنه حكي عنه: إيجاب القدرة، وهو لعمري يوهي طريق الحكمة، ويهدم قواعدها، وقد أنكرها فريق من أصحابه لعظم موقعها، وشناعة القول بها، وحكي عنه أيضاً التعويل على القياس، واطراح الأخبار، وهذا نظر لا يليق أن يساوي منصب الشارع منصب القياس، وحكي عنه بطلان القصاص بالمثقّل وهذا نظر فيه ما ترى من إهدار الدماء وبطلان صيانتها، وهو معلوم من جهة الشرع تحريمها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ}[البقرة:178] والمثقّل يهدم هذه القاعدة.
فهذه الأمور الثلاثة لا يخفى عليك انحرافها عن المنهج القوي، والصراط السوي، فهذا ما أردنا التنبيه عليه من طريقة أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه.(1/229)


وأما الشافعي رضي الله عنه فلا يشق غباره، ولا تخفى في العلم والفضل محامده وآثاره، استولى من العلوم على أسرارها، وأحاط بالمكنون من عيونها وأبكارها، خلا أن البويطي حكى عنه الرؤية، فإن كانت غير معقولة كما تزعمه الأشعرية، فحاشا فكْرَه الصافي عن المناقضة، وإن كانت رؤية معقولة، فحاشاه عن التشبيه، وأما الجبر فلم يُسْمع منه في مصنفاته، ولا بلغنا عن أصحابه أنه ذهب إليه.
وأما مالك رضي الله عنه: فلا يجحد فضله، وله اليد الطولى في ضبط الأحاديث وإحرازها، والتحرز في الرواية، خلا أنه ربما استرسل في المصالح استرسالاً كلياً، وعوّل عليها تعويلاً عظيماً، حتى أن نظره أداه إلى القول بقتل ثلث الأمة في إستصلاح ثُلثيْها، ونحن نعلم ضرورة من الشرع صون الدماء وحياطتها، ونعلم من حال الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا لا يتجاسرون على إراقة محجمة من دم إلاّ عن تحقيق وبصيرة بنص قاطع.
فهذا ما أردنا ذكره من سيرة هؤلاء العيون، وأنظار هؤلاء الفضلا، وليس ما ذكرناه خطاً من أقدارهم، ولا تقصيراً فيما رفع الله من منارهم، ومصداق ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((لا تسترذلوا العلم، فإن الله لم يسترذله حيث آتاه من آتاه))، وفي حديث آخر: ((ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم)).(1/230)

46 / 51
ع
En
A+
A-