[عودة إلى ترجيح مذهب الأئمة عليهم السلام على غيره]
وأما المسلك الثالث: وهو في ترجيح مذهب العترة المطهرة على غيره من المذاهب، فمعتمد أهل الأمصار المذاهب الأربعة، حنفية، وشافعية، ومالكية، وحنبلية، ونحن نتكلم في هذا المسلك في ثلاثة مواضع:
الأول: أن هؤلاء الفقهاء مشهورون بمحبة العترة، قائلون بإمامة أئمتهم.
والثاني: في ترجيح مذهب العترة الزكية.
والثالث: في التنبيه على فضل الهادي، وأن المتمسك بمذهب واحد من أئمة الهدى متمسك بالصواب.
الموضع الأول: فالمشهور موالاة أبي حنيفة رضي اللَّه عنه لزيد بن علي عليه السلام، وقيل إِن أباحنيفة اعتذر من الخروج مع زيد بن علي عليه السلام، وطلبه الإذن بذلك، وكان يدعو إليه سراً، مخافة سلطان بني أمية، وكان يُعِين زيد بن علي باللسان والإحسان، بعث إليه مرة بثلاثين ألف درهم، وقيل دينار، وكان اعتذاره عن الخروج أنه مشغول بتفسير العلوم، وجهاد العلماء باللسان، وعاش أبو حنيفة إلى زمن المهدي وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن عليهما السلام، فكان يدعو إليهما على طاعتهما.(1/221)
وكتب إلى ابراهيم بن عبدالله بن الحسن عليهم السلام، أما بعد:
إذا أظهرك الله على آل عيسى بن موسى، القصة؛ حيث قال: فَسِرْ فيهم بسيرة أبيك في صفين، ولا تَسِرْ بهم سيرة أبيك في يوم الجمل، فظفر أبو جعفر الدوانيقي بكتابه، فدس إليه شربة من السم، فمات، فهو شهيد في حبنا أهل البيت.
وسُئل أبو حنيفة أيهما أفضل الحج أو الخروج إلى إبراهيم بن عبد الله؟
فقال: غزوة بعد حجة الإسلام خير من خمسين حجة.
وجاء رجل فقال: يا أبا حنيفة ما اتقيت الله في فتواك أخي بالخروج مع إبراهيم بن عبد الله حتى قتل؟
فقال: قَتْل أخيك معه خيرٌ له من الحياة.
فقال: ما يمنعك من الخروج ؟
فقال: ودائع الناس عندي.
ومن أراد صدق ما قلنا فليطالع كتاب مقاتل الطالبيين.
والشافعي رضي الله عنه، كان في وقت يحيى بن عبد الله، وكان له من التابعين، ومدائحه في أهل البيت أكثر من أن تحصى، منها قوله رضي الله عنه شعراً:
يا راكباً قف بالمحصب من منى .... واهتف بقاطن أهلها والناهض
سَحَراً إذا سار الحجيج إلى منى .... سيراً كملتطم الفرات الفائض
قفْ ثم ناد بأنني لمحمد .... ووصيه وابنيه لست بباغض
إنْ كان رفضاً حب آل محمد .... فليشهد الثقلان أني رافضي(1/222)
ومدائح الشافعي في العترة جمة العدد، وممن كان في وقت يحيى بن عبدالله عليه السلام من عيون الفقهاء، الفقيه المشهور محمد بن الحسن الشيباني، وهو الذي شجه هارون بالدواة حين قال له هذا أمان لا سبيل إلى نقضه، وكان محمد بن الحسن يقول أنا زيدي إذا أمنت على نفسي، حنفي إذا خفت.
ومن عيون الفقهاء؛ سفيان الثوري رحمه الله، ولما قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام، قال سفيان: أخاف أن لا تقبل الصلاة، إلا أن فعل الصلاة خير من تركها، وروي عنه أنه كان يقول: حب بني فاطمة، والجزع لهم مما هم عليه من القتل والخوف والتطريد يُبْكي مَنْ في قلبه شيء من الإيمان، ومما يؤكد ذلك ما رواه الغزالي في إحياء علوم الدين؛ أنه كتب في جواب هارون: من سفيان إلى الظالم الغشوم.
وأما مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله تعالى، فكان في وقت محمد بن عبد الله عليه السلام، وأتى إلى مالك جماعة ممن قد بايع الدوانيقي، فسألوه عن بيعتهم.
فقال: انفروا إلى النفس الزكية، فليس على مكره يمين.
وسئل عن السدل في الصلاة، فقال: قد رأينا من يُعْتمد على فعله عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام.
قال محمد الديلمي رحمه الله: وسمعت ممن أثق به أنه سمع من بعض المالكية أن مالكاً كان من دعاة محمد بن عبد الله النفس الزكية.
والمالكية يعظمون الزيدية لهذا السبب.(1/223)
وأما ابن حنبل فإنه كان كثير الرواية في فضل أهل البيت عليهم السلام.
قال الفقيه محمد الديلمي رحمه الله: كان عيون الفقهاء والمعتزلة زيدية في الأصول، ومتابعين لأئمة العترة عليهم السلام، واحتج لذلك، وأطال الكلام مما لا يتسع له هذا المختصر.
قال فخر الدين الرازي: كان الشافعي عظيم القدر والمحل، واسع العلم والفضل، كل كان يحب أن يكون منهم.
قالت الشيعة: هو شيعي.
وقالت المعتزلة: هو معتزلي.
قلنا: هذا لامعنى له.
إن الزيدية أجل من أن يفتخروا بعد أئمتهم بأحد، وكيف وأئمتهم قريب من مائة إمام، ينسبون إلى الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والوصي والبتول عليهم السلام، فضائلهم ظاهرة، ومناقبهم باهرة، شعراً:
إليكم كل مكرمة تؤول .... إذا ما قيل جدكم الرسول
أليس أبوكم الهادي عليٌ .... وأمكم المطهرة البتول
فليس لنا حاجة إلى الافتخار بغير أبناء النبي المختار.
من كان في الحشر له شافع .... فليس لي في الحشر من شافع
غير النبي المرسل المصطفى .... ومذهب الصادق لا الشافعي(1/224)
وإنما ذكرنا ما قدمنا محبة للفقهاء، وكونهم أدركوا الحظية السنية، بمتابعة العترة الزكية، ومحبة السلالة النبوية، لا أنَّا في ذلك نريد الإفتخار بموالاتهم، ولا التبجح بمتابعتهم، إنما يحق لهم أن يفتخروا بذلك، ويتبجحوا بما هدوا إليه من سلوك هذه المسالك، {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(38)}[يوسف].
الموضع الثاني: في الترجيح لمذهب العترة، فلاشك أن معتمد أهل الأمصار المذاهب الأربعة، وقد ذكر الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام في كتاب "الإنتصار" ترجيح مذهب العترة النبوية، وبالغ في صدر هذا الكتاب في الإنتصار للترجيح، واستوفى أعاريض الكلام، ومدَّ روَاق ترجيح مذهب الأئمة الكرام.
قال عليه السلام في كتاب "مشكاة الأنوار": زبدةً مختصرةً في هذا المقصد، جامعة لفوائد تلك الأكاليم الغزيرة، والأدلة الكثيرة، وهي أن قال: "المعتمد لنا في تقرير ما اخترناه من رجحان تقليد أهل البيت عليهم السلام على غيرهم من سائر الفقهاء مسالك، نوضحها بمشيئة اللَّه تعالى.
ــــــــــــــــــ(1/225)