وعلى الجملة ليس في بيضة الإسلام بلدة إلاّ وفيها لطالبيِّ تربة، تشارك في قتلهم الأموي والعباسي، وتطابق عليهم القحطاني والعدناني، ولله من قال:-
فليس حي من الأحياء نعلمه .... من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلاّ وهم شركاء في دمائهمُ .... كما تشارك أنسار على جزر
قتلاً وأسراً وتشريداً ومنهبةً .... فعل الطغاة بأهل الروم والخزر
هذا الملقب بالرشيد، مات وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة، وما من أهل البيت عليهم السلام إلاّ من جُرّ عن معركة قتيلاً، أو كُبّل أسيراً، أو طرد عن عقر داره.
هذا القاسم بن إبراهيم عليه السلام، كان يطوف في الآفاق جائعاً، وبينا هو في بيت أسكاف إذ سمع الصائح يطوف في الأسواق، وهو يقول: برئَت الذمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم، ومن دلّ عليه فله كذا وكذا من المال، وذلك الأسكاف مطرق في عمله، فقيل له في ذلك، فقال: والله لو كان تحت قدمي هذه ما رفعتها، أو كما قال.(1/216)


ولما خرج بآل الحسن من المدينة، موثّقين بالقيود على الهوادج، فيهم عبد الله بن الحسن الشيبة الطاهرة، في عصابة من أهل بيته وأعمامه وبني أعمامه، وأمر جعفر الصادق بعض غلمانه، وقال له: اذهب فإذا حملوا آل الحسن فأخبرني، فجاء، فأخبره، فوقف من وراء ستر ينظر من ورائه ولا ينظره أحد، فرأى عبد الله بن الحسن في محمل، وجميع أهل بيته كذلك، فلما نظر إليهم جعفر عليه السلام، هملت عيناه، حتى جرت دموعه على لحيته، وقال: والله لا تحفظ حرمة بعد هؤلاء.
ولما حملوهم في المحامل وأخرجوهم من المدينة، قال بعض أهل الولاية:
من لنفس كثيرة الإشفاق .... ولعين كثيرة الإطراق
جمدت للذي دهاها زمانا .... ثم جادت بدمعها المهراق
لفراق الذين راحوا إلى المو .... ت عياناً والموت مُرّ المذاق
ثم راحوا يسلّمون علينا .... بأكفٍ مشدودة بالوثاق
ما رأينا في البرية طراً .... مثلهم لَوْ وَقاهم الموتَ واق(1/217)


هذا مع ما كانوا عليه من القشف والشظف، وضيق المعاش، وعدم [الرياش]، يشتهي العلوي الأكلة فيحرمها، وخراج مصر والأهواز، والحرمين والحجاز، تصرف إلى زلزل الطارب، وبرطم الزامر، وخارق المغني، ومائِق اللاعب، وفلان وفلان، والمتوكل على الشيطان؛ لا على الرحمن- فيما زعموا - يشتري إثني عشر ألف سُرِّية، وسيد من سادات العترة يتكفف بسندية وهندية، ومال الخراج مقصور على الصفاعنه والسفلة، ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة، ويضايقونه بدانق وحبة، ويشترون البَغِيَّة بالبُدَر، ويجيزون لها ما يفي برزق عسكر، والقوم الذين أحل الله لهم الخمس، وحرم عليهم الصدقات، وفرضت لهم الكرامة والمحبة، يتكففون صبراً، ويهلكون فقراً، ويرهن أحدهم سيفه أو درعه، ويبيع ثوبه، وليس له ذنب إلاّ أن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأباه علي عليه السلام، وأمه فاطمة عليها السلام، وجدته خديجة رضي الله عنها، ومذهبه الإيمان، ودينه القرآن، شعراً:
ومالي جرم غير لم أقرب الخنا .... ولم أشرب الصهبا ولم أدع بالغدر
ونحن فقد تمسكنا بالعروة الوثقى، وآثرنا الدين على الدنيا، فإن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً، كلمة من الله، ووصية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والعاقبة للمتقين، وعندنا بحمد الله لكل حالة آلة، ولكل مقام مقالة، فعند المحن الصبر، وعند النعماء الشكر، ولقد كُذِّبَ محمد صلى الله عليه وآله وسلم بضع عشرة سنة، فما أتهمناه بنبوته، وشُتِمَ أمير المؤمنين عليه السلام على فروع المنابر ألف شهر، فما شككنا في إمامته، وأنظر الله إبليس المدة الطويلة، فلم نرتاب في لعنته، وقد قال شاعرنا يفتخر بما نحن فيه من الأحوال، شعراً:(1/218)


نحن بنوا المصطفى أولو محن .... تجرعها في الحياة كاظمنا
عظيمة في الأنام محنتنا .... أولنا مبتلىً وآخرنا
ولكن مع اليوم غد، ومع السبت أحد، ونرجو أن يكون قد عاد المعصم إلى سواره، ورجع الحق إلى قراره، واستقر الملك في معدن الرسالة، ومختلف الملائكة، لما أظهر الله لإمام عصرنا وحجة دهرنا مولانا أمير المؤمنين الناصر لدين الله رب العالمين محمد بن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالكرامات، وأيده به من الآيات، وفتح له من الثغور، ونظم به من الأمور، وجلى به من الديجور، وساس برعايته هذا الجمهور، أوضح الله به المشكلات، وفتح به المقفلات، وأصلح به الفاسد، وقمع به الحاسد، وشيد به الإسلام، ودوّخ به ذوي الكفر والإجرام، فالرجاء في جود الله وفضله انتشار كلمة الحق في الآفاق، وعلو كلمة الملك الخلاق، وانبساط عدله في الأمصار، وخفوق بنود راياته في الأقطار، ويجعل الله على يديه إعزاز جنده، وإنجاز وعده، فيفتح له الأرض، ذات الطول والعرض، وقد لاحت تباشير صبح هذا الأمل، وظهرت لنا آيات هذا العمل إن شاء الله تعالى، وما ذلك على الله بعزيز.
هذه نبذة في أحوال العترة الطاهرة، وقد ظهر بها لمن كان له عقل فضل أهل البيت عليهم السلام، فإنهم على هذه الأحوال، لم ينطفِ لعلومهم مصباح، ولم يخْفَ له صباح، علومهم في كل فن ضاحكة الرياض، عذبة الحياض، أنيقة الأزهار، طيبة الأنهار، ليس فن من فنون العلم إلاّ وقد بلغوا أطوريه، واستولوا على سماه ونجومه وقمريه.
لنا قمراها والنجوم الطوالع(1/219)


وانظر إلى تصانيفهم الفائقة، وعلومهم الرائقة، كيف ملأت أقاليم الزيدية، واستقلت في هداية أهل الملة المحمدية، وما أجدر مذهبنا بقول القائل:
وإنك شمس والملوك كواكبٌ .... إذا طلعَتْ لم يبقَ منهن كوكب
وأما كون الزيدية موصوفين بالقلة فهذه خصلة مدح، وهي من مزاياهم الحسان، وصفاتهم الحائزة للبر والإحسان.
وفي كلام علي عليه السلام للحارث بن حوط حين قال: أترى يا أمير المؤمنين أن أهل العراق (يعني أصحاب علي) مع قلتهم على الحق، وأن أهل الشام (يعني أصحاب معاوية -لعنه الله تعالى-) مع كثرتهم على الباطل؟
فقال علي عليه السلام: (يا حار إنه لملبوس عليك، إعرف الحق تعرف أهله قلوا أم كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم كثروا، فإن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق).
وبعد فلو كانت الكثرة دليلاً على إصابة الحق، لذهب به الخارجون عن الإسلام، فإن المسلمين في جنب الكفار كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، فماذا يراه صاحب المقالة ؟
لقد أُتِيَتْ من حيث لم تك ظنَّت(1/220)

44 / 51
ع
En
A+
A-