وإن قلتم: إن المعنى بكثرة علم الشافعي، أَن مسائل فقهه في الفروع أكثر وأوفر، فله مثلاً في كتاب الصلاة ألف مسألة، ولغيره خمسمائة، وعلى هذا من الزيادة والنقصان في كل كتاب من كتب الفقه، في الصيام، والزكاة، والحج، والنكاح، والطلاق، والبيوع، إلى أخر أبواب كتب الفقه.
قلنا: هذه الزيادات التي تدعونها لم تبلغ حداً يوجب متابعته، إذ كان غيره من أصحابه أوسع وأبسط في التفريع من الشافعي، كالغزالي وأمثاله.
وقد روي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أن المزني خرّج على مذهب الشافعي قدر ثلث فقهه، قال: لأن الشافعي رحمه الله تعالى توفي في عنفوان شبابه، وريعان أيامه، وإنما تولى تهذيب مذهبه تلامذته، وهم أهل التوسعة في مسائل مذهب الشافعي، والمفرعون على أصوله، فيجب أن يكونوا بالمتابعة أولى ؛ ولأن هذه الزيادة إن تم دونها دين مخالفِهِ لم تكن موجبة لمتابعته.
ـــــــــــــــ(1/211)
وجه آخر: إن الذي يوجب في الشريعة ليس إلا الكتاب، أوالسنة، أوالإجماع، وشيء من هذه لا يوجب متابعة الشافعية، كانوا على زيادة في العلم أو نقصان.
لنا: إن متابعة هذا الجيل لو وجبت، لم يمكن اتباع أحد من العلماء ؛ لأنه لا يسوغ إلاّ بعد العلم بأنه أوسع علماً من سواه، وطريق هذه مفسدة لاتساع علم العلماء، وكثرتهم، وانتشار أقاويلهم، وضبط تحاصيلهم في الفروع متعذر، لا يمكن عرفانه، ولا يتأتى إتقانه.
لنا أيضاً على إبطال قولهم: "إن الشافعية أكثر فقهاً من الزيدية"؛ الكتاب والسنة.
* أما الكتاب فقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}[فاطر:32]؛ وهم أهل البيت عليهم السلام، والمرجع بوراثة الكتاب إلى العلم بما حواه من الأحكام.
* وأما السنة فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم اجعل الفقه والعلم في عقبي وعقب عقبي، زرعي وزرع زرعي))، وعلومهم قد طبقت المشارق والمغارب، وانتشرت عند الأعاجم والأعارب، وأمثال ذلك مما لايمكن إثباته هاهنا لمراعاة الاختصار.(1/212)
وأما جواب الخيال الثاني: فقد أشار صاحب المقالة الفاسدة إلى كثرة أتباع الشافعي رحمه الله، وزعم أن الكثرة دليل على الحق، ولم يعلم أن الكثرة غير محمودة، ولا يختدع لها إلاّ غلف القلوب، عمي البصائر، صم الأسماع، وفي كلام الله تعالى ما يدل على ما قلناه، قال تعالى: {وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ(40)}[هود]، و{وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}[ص:24]، و{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13)}[سبأ:31].
وروى الفقيه محمد الديلمي رحمه الله تعالى: أن للإمام زيد بن علي عليهما السلام رسالة في مدح القلة وذم الكثرة احتج بها على أهل الشام حين وردوا عليه، ذكر فيها أدلة القرآن الكريم، من أوله إلى آخره، على ترتيب سور القرآن، حتى قال أهل الشام لعالمهم لم لا تجيبه ؟
فقال: كيف أجيب عن هذا ؟ أرد نصوص القرآن؟!.
لنا أيضاً أن مذهب أهل البيت عليهم السلام أُسِّس على المحن، وولد أهله في طالع الهزاهز والفتن، والأيام عليهم متحاملة، والدنيا عنهم مائلة.
وحكي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم كانوا إذا تكلموا في المسائل عند أبي حنيفة وأرادوا ذكر قول علي عليه السلام قالوا: قال الشيخ ؛ ولم يفصحوا باسمه، خوفاً من السلطان، وكان إذا سمى أحدٌ ولده علياً قتلوه، فكيف يَظْهر علم أهل البيت عليهم السلام مع طول المدة من دولة بني أمية إلى أخر دولة بني العباس، وإلى يومنا هذا ؟!.(1/213)
فصل [في ذكر بعض مقاساة أهل البيت عليهم السلام]
نذكر فيه طرفاً مما لاقاه أهل البيت عليهم السلام
ما أُلحد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى زحزح علي عليه السلام عن مرتبته، وأُخِّر عن الخلافة، ثم غُصِبَت فاطمة عليها السلام ميراثها يوم السقيفة، وسُمَّ الحسن عليه السلام سراً، وقُتِل الحسين جهراً، وصُلِب زيد بن علي بالكناسة، وقُطع رأس ولده يحيى بالمعركة، وخُنق عبد الله بن الحسن عليهما السلام في حبس الدوانيقي، وبُنيت الأساطين على الديباج الأصفر عليه السلام،(1/214)
وقُتل محمد وإبراهيم أبنا عبدالله بن الحسن، ومات موسى بن جعفر شهيداً في حبس هارون، وسُم ابنه علي بن موسى(1) على يدي المأمون، وهزم إدريس بفتح الأندلس فريداً، ومات عيسى بن زيد في الهند طريداً، وقُتل يحيى بن عبد الله عليه السلام بعد الأمان والأَيمان، وقُتل محمد بن زيد، والحسن بن القاسم، وفعل أبو السّاج بعلوية الحجاز ما شاع في الدنيا من القتل والتشريد من هجرة المصطفى، وما فعل مزاحم بن خاقان بعلوية الكوفة؛ ما يُبكي مَنْ في قلبه إيمان.
_____________
(1) - قال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في التحف ط/3/150:
الإمام أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي سيد العابدين بن الحسين السبط بن علي الوصي صلوات الله وسلامه عليهم ، ولَقَب الإمام الرضا وصف بالمصدر مبالغة كعَدْل ، وليس برضيٍّ صفة على فعيل خلاف ما في القاموس .
بيعته : قال في الشافي : وكان المأمون وأولاده وأهل بيته وبنو هاشم أول من بايعه ، ثم الناس على مراتبهم ، والأمراء والقواد ، وجميع الأجناد ، وأعطى الناسَ المأمونُ عطاء واسعاً للبيعة ، وضرب اسمه في السكة والطراز ، وجعل له في الخطبة موضعاً ، فكان إذا بلغه الخطيب قال : اللهم صل على الإمام الرضا علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين سيد شباب أهل الجنة بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، ثم يقول :
ستة آباءٍ همُ ما همُ .... همْ خير من يشرب صوب الغمام
وكلام الإمام يشير إلى أن البيعة كانت بالإمامة ، وكلام غيره أنها بولاية العهد .
قال عليه السلام : وكانت بيعة المأمون لعلي بن موسى الرضا لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين ، قال : وقلبوا السواد إلى الخضرة ، ومن لبس السواد مزق عليه في جميع الآفاق ، وكذلك كسوة البيت الحرام .
إلى أن قال : ثم دس عليه السم فقتله ، ولم يُخْتلف في قتله بالسم ، ثم قال : كما قال أبو فراس بن حمدان :
باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته .... وأبصروا بعض يومٍ رشدهم وعموا
وأجمع على إمامته أهل البيت وغيرهم ، قال الإمام المنصور بالله في الجزء الثاني من الشافي في سياق كلام : وعلى أنا قد أجمعنا نحن وبنو العباس على إمامة علي بن موسى الرضا عليه السلام ، ولم نختلف في ذلك نحن ولا هم ، انتهى .
قال المنصور بالله عليه السلام : ولما مات أظهر جزعاً عظيماً ، وقَبَره إلى جنب أبيه تودداً وإظهاراً للإنصاف ، فَغَبِيَ قبر هارون حتى كأنه لم يكن هناك ، ونسب المشهد إلى علي بن موسى الرضى ، فلا يَعْرِف أن هناك هارون إلا أهل المعرفة ، وهكذا ينبغي أن يكون الحق والباطل، انتهى .
وفاته عليه السلام : سنة ثلاث ومائتين وله من العمر خمس وخمسون سنة .(1/215)