وقال: ((اختلاف العلماء رحمة، وكل مجتهد مصيب)) إلى غير ذلك، ولا خلاف أن المخالف [لهؤلاء] الأئمة الأربعة من العلماء مصيب، مالم يخالف الاجماع، ولا خلاف أن أفاضل الأمة وخيرها قد سبقوا قبل هؤلاء الأئمة الأربعة، ولم يكن أحد منهم محمولاً على أن يعتمد على قول فلان دون فلان، وقد كان الصحابة أفضل من هذه الأربعة، فلم يُقل فيهم: هؤلاء على مذهب فلان دون مذهب فلان، ثم التابعين أيضاً كانوا أفضل من هذه الأئمة الأربعة، وكان فيهم الأئمة السبعة، الذين قال فيهم الشاعر:
ألا كل من لا يقتدي بأئمة .... فقسمته ضيزا عن الحق خارجة
فخذهم عبيد الله عروة قاسم .... سعيد سليمان أبو بكر خارجة(1/206)


إلى أن قال: ثم في تابعي التابعين من هو أفضل من هؤلاء الأئمة الأربعة، كالثوري(1)، وأبي ثور، _____________
(1) - قال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في لوامع الأنوار ج/1/350:
عالم الشيعة الزيدية، ورباني الأمة المحمدية، سفيان بن سعيد الثوري أبو عبدالله، المتوفى سنة إحدى وستين ومائة .
لما قُتِل الإمام إبراهيم بن عبدالله عليهما السلام قال : ما أظن الصلاة تقبل إلا أن فعلها خير من تركها.
وكان يقول : حب بني فاطمة والجزع لهم مما هم عليه من الخوف والقتل يُبكي مَنْ في قلبه شيء من الإيمان .
وكونه من خلصان الزيدية معلوم بين علماء البرية، وكان من خواص الإمام عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام .
قال السيد صارم الدين عليه السلام : وتشدد سفيان على أئمة الجور، وكلامه في حقهم معروف، لا تستطيع الناصبية إنكاره، ولاتحتاج الشيعة دليلاً على إظهاره .
روى له الجماعة انتهى .
وقال في مطلع البدور : وانتسابه على جلالته إلى الزيدية غير هين على من يكاثر بالرجال، ولم نقتنع بهذه النسبة إلا بعد رواية الإمام الناطق بالحق مع شهرته بهذه الطريقة التي هي طريقة الزيدية.
وقد أجمع الناس على تشيعه وحبه لإمام الزيدية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه انتهى .
قلت : وأهل بيت النبوة، صلوات الله عليهم، في غنية بما جعله الله لهم عن جميع الأمة، ولهم إلى العصر مايزيد على مائة إمام سابق، مفترض الطاعة على جميع الخلائق، دع من سواهم من المقتصدين لولا وجوب بيان الحق، وتمييز المشاقق من الموافق .
هذا، ولهذا العالم العامل كرامة عظمى، وهي أن المنصور الدوانيقي لما حج أراد قتله، فلما وصل بئر ميمون أرسل أعوانه فجاءوا ونصبوا الخُشُب، وكان سفيان جالساً بفناء الكعبة ورأسه في حجر فضيل بن عياض ورجلاه في حجر سفيان بن عيينه، فقالا له: يا أباعبدالله قم واختف، ولا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة ثم قال : كلمة معناها القسم أنه لا يدخلها أبوجعفر، فركب المنصور من بئر ميمون فسقط عن فرسه فاندقت عنقه فمات لوقته، وبر الله قسم عبده سفيان، وأذن بانتهاء مدة عدوه ذي الطغيان .(1/207)


وابن أبي ليلى(1)، وابن شبرمة، إلى أن قال:
______________
(1) - قال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في لوامع الأنوار ج/1/385:
* عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى، المتوفى سنة ثلاث وثمانين، معدود في ثقات الشيعة الأكرمين، روى عن الوصي رضوان الله عليه وأم هاني رضي الله عنها، وناصر الإمام الرضى الحسن بن الحسن السبط عليهم السلام ، وضربه الحجاج ليسب سيد الوصيين صلوات الله عليه فلم يفعل، وخرج عليه مع الإمام الحسن بن الحسن بن علي (ع) .
خرج له الإمام الناصر للحق، وأئمتنا الأربعة عليهم السلام والجماعة .
* وولده محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة، أحد الأعلام المبايعين للإمام الأعظم (ع)، وصاحب رسالته، معدود في ثقات محدثي الشيعة رضي الله عنهم.
قالوا : إذا قال المحدثون : ابن أبي ليلى فمرادهم عبد الرحمن، وإذا قال الفقهاء : ابن أبي ليلى فمرادهم ولده محمد، [والدامغاني من المحدثين] خرّج له من خرّج لأبيه، وأربعة العامة .(1/208)


ثم لا خلاف أنه لا يُنْقم على أحدٍ من الأُمة يوم القيامة كونه لم يعتمد على أحد هذه المذاهب الأربعة، إذ لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل خذوا في القرن الثالث والرابع بأقوال الفقهاء الأربعة الذين يظهرون في أمتي، ولا يقال له يوم القيامة: لم تمسكت بغير مذهب الشافعي؟ أو مالك أو أبي حنيفة أو الحنبلي ؟
إلى هاهنا كلام الدامغاني، وقد أطال في تهجين أمر الفقهاء، وإبطال زعمهم في أن الحق ما قالوه، والباطل ما خالفوه، بكلام لايسعه هذا المختصر.
ثم إنا نقول:
إذا كان الفضل والترجيح لمذهب على غيره بمجرد التقدم عليه، فمذهب الزيدية أولى بالترجيح، وهو لأجل ذلك المذهب الصحيح ؛ ولأنه لا خلاف أن زيد بن علي عليهما السلام متقدم على الفقهاء الأربعة، ونحن أتباعه وأشياعه، فنحن أولى بالصواب في المذهب من كل وجه، تارة بالسبق، وتارة بلزوم منهاج الحق، على ما سنذكره في ترجيح مذهبنا على غيره.
قالوا: إنما قلنا: إن مذهب الشافعي أولى بالتقليد من غيره، لكثرة علمه، وانتشاره في الأفاق، وانبساطه في الأمصار.(1/209)


قلنا: هذان خيالان:
* الأول إدعاؤكم كثرة علمه.
* والثاني ما ترون من كثرة الأتباع، ونحن نجيب عن الخيالين بما يزيل التشبيه، ويبطل التمويه.
أما الجواب الأول: فنقول: من أين لكم أن علم الشافعي أكثر من علم غيره من الأئمة الأربعة والفقهاء ؟
والمعلوم أن فقه الحنفية أوسع من فقه الشافعية، ولهذا قيل: الفقه للحنفية، والتزين للشافعية.
ثم إنا نقول: ما هذه الكثرة التي تدعونها بمعنى أن علم الشافعية كمل أديانكم، وأتم إيمانكم، وأن غيركم منقوص في دينه، غير كامل في إيمانه ويقينه، والمعلوم فساد هذه الدعوى، وكيف وقد قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3] وهذه الآية نزلت قبل وجود مذهب الشافعي، ويلزمكم أن يكون الصحابة والتابعون منقوصين في أديانهم، غير كاملي الإيمان ؛ لأنه فاتهم مذهب الشافعي، ولم يدركه أحد منهم، ومن بلغ معه الإلزام إلى هذه الغاية، أُضْرِب عنه صفحاً وأُطْوي عنه كشحاً.(1/210)

42 / 51
ع
En
A+
A-