قال: يحيى، وكان للحسين عليه السلام أخ لأبيه وأمه اسمه يحيى، توفى قبل ذلك، فبكى القاسم عليه السلام حين ذكره، وقال: هو والله يحيى صاحب اليمن، وإنما قال ذلك لأخبار رويت بذكره وظهوره في اليمن.
قال الفقيه حميد رحمه الله تعالى في وصف الهادي عليه السلام:
هو الذي فقأ عين الضلال، وأجرى معين العلم السلسال، وضارب عن الدين كافة الجاحدين، وهو الذي نشر الإسلام في أرض اليمن بعد أن كانت ظلمات الكفر فيه متراكمة، وموجات الإلحاد متلاطمة، حتى أنهل من نحورهم الأسل الناهلة، وأنقع من هاماتهم السيوف الضامية، فانتعش الحق بعد عثاره، وعلا بحميد سعيه من مناره .
وقال الفقيه الديلمي رحمه الله تعالى في وصفه شعراً:
يسد مسد الألف بأساً ونجدة .... إذا أفرقوا من حوله وتفرقوا
ولقد صدق عليه السلام حيث يقول:
أنا ابن رسول الله وابن وصيه .... ومن ليس يحصى فضله ووقائعه
في قصيدة طويلة.(1/201)
وفيه عليه السلام يقول الشاعر :
لو كان سيفك قبل سجدة آدم .... قد كان جُرِّد ما عصى إبليس
وما أحقه عليه السلام بقول القائل:
ولو كان في يوم السقيفة حاضراً .... وفي كفه ماض الغراريْن صارم
لما نازع المفضول في الأمر فاضلاً .... ولا قاوم الفاروقَ فيها مقاوم
ولا غصبت بنت النبي تراثها .... ولا جار في حكم عن الحق حاكم
قال الفقيه المذكور رحمه الله تعالى:
وثبات الزيدية وثبات الأشراف في اليمن من حسنات الهادي عليه السلام وبركاته، وأقام عليه السلام ثماني عشرة سنة، مقيماً لأحكام الله تعالى وسنة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه يقول الشاعر:
إذا ما شئت أن تحيا .... حياةً حلوة المحيا
فزر يحيى تجد يحيى .... لدين الله قد أحيا(1/202)
أفمن كان على هذه الصفات الكريمة يسمى ملبساً(1) ؟!!
لا والله، ولكن نفث إبليس بلفظ التلبيس، {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(107)}[الأنعام]، {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)}[يونس:99].
______________
(1) - قال الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد المؤيدي أيده الله تعالى في التحف شرح الزلف ط/3/167: شيء مما قيل فيه:
ومن الشهادات التاريخية الحقّة ما شهد به للإمام الهادي إلى الحق وللأئمة من أهل البيت الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري [فتح الباري 13/ 100، كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش] حيث فسر بهم الخبر النبوي المروي في البخاري [صحيح البخاري 9/ 112 رقم (7140) عن عبدالله بن عمر] وغيره، وهو: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان))، فأفاد أنه صدق الحديث ببقاء الأمر في قريش باليمن من المائة الثالثة في طائفة من بني الحسن، قال: ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون عالماً متحرياً للعدل.
إلى قوله: والذي في صعدة وغيرها من اليمن، لا شك في كونه قرشياً ؛ لأنه من ذرية الحسن بن علي.
وقال العلامة إمام المحدثين في عصره، مؤلف بهجة المحافل يحيى بن أبي بكر العامري في الرياض المستطابة ما لفظه: ثم في زمن المعتمد والمعتضد والمقتدر إلى المستعصم آخر ملوك العباسيين، تحرز أهل البيت إلى بلدان لا يقدر عليهم فيها مثل: جيلان وديلمان وما يواليها من بلاد العجم، ومثل نجد اليمن كصنعاء وصعدة وجهاتها، واستوثق أمرهم وقاموا بالإمامة بشروطها قاهرين ظاهرين، فقام منهم بنجد اليمن نحو بضع وعشرين إماماً أولهم وأولاهم بالذكر الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى، كان مولده بالمدينة، ومنشؤه بالحجاز، وتعلمه به وبالعراق، وظهور سلطانه باليمن سنة ثمانين ومائتين، وكان جاء إلى اليمن وقد عم بها مذهب القرامطة والباطنية، فجاهدهم جهاداً شديداً، وجرى له معهم نيف وثمانون وقعة لم ينهزم في شيء منها، وكان له علم واسع، وشجاعة مفرطة.
إلى قوله: ثم قام بعد الهادي ولده المرتضى محمد بن يحيى، ثم ولده الناصر أحمد بن يحيى، وكانا ممن جمع خصال الكمال والفضل كأبيهما، ودفنا إلى جنبه بصعدة، ومن ذريتهما أكثر أشراف اليمن.
ثم ساق في تعداد الأئمة فأورد قطعة تاريخية، وبحثاً نفيساً يدل على غزارة علم واطلاع وإنصاف واعتراف بالحق وبعد عن الإنحراف.
حتى قال: وقد ذكر ابن الجوزي وغيره: أن الأئمة المتبوعين في المذاهب بايع كل واحد منهم لإمام من أئمة أهل البيت، بايع أبو حنيفة لإبراهيم بن عبدالله بن الحسن، وبايع مالك لأخيه محمد، وبايع الشافعي لأخيهما يحيى.
وقال ابن حزم صاحب المحلى ـ في ذكر أولاد الإمام الناصر ـ ما لفظه: والحسن المنتخب، والقاسم المختار، ومحمد [المهدي]، بنو أحمد الناصر بن يحيى الهادي بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا، وليحيى هذا الملقب بالهادي رأي في أحكام الفقه قد رأيته لم يبعد فيه عن الجماعة كل البعد..إلى آخره [جمهرة أنساب العرب 44].
وقال نشوان الحميري في كتاب الحور العين ص196ما لفظه: وأول من دعا باليمن إلى مذهب الزيدية ونشر مذهب أئمتهم يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولقبه الهادي إلى الحق، فنزل بين خولان، انتهى.
ولما انتشرت فضائله، وظهرت أنواره وشمائله، وفد إليه وفد أهل اليمن، فسألوه إنقاذهم من الفتن، فساعدهم وخرج الخرجة الأولى، ثم كر راجعاً لما شاهد من بعض الجند أخذ شيء يسير من أموال الناس، فنزل بأهل اليمن من الشدائد والفتن ما لا قبل لهم به، فعاودوا الطلب وتضرعوا إليه، فأجابهم وخرج ثانياً عام أربعة وثمانين.
ومن كلامه المأثور: (يا أهل اليمن لكم علي ثلاث: أن أحكم فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أقدمكم عند العطاء، وأتقدمكم عند اللقاء، ولي عليكم: النصح، والطاعة ما أطعت الله). ولقد أقسم في بعض مقاماته أنه لا يغيب عنهم من رسول الله إلا شخصه (إن أطاعوه).
ولقد حكى عالم من علماء الشافعية ـ وصل من العراق لزيارته ـ من علمه وعدله وفضله وسيرته النبوية ما بهر الألباب، وأنه شاهده يتولى بيده الكريمة معالجة الجرحى، ويتولى بنفسه إطعام اليتامى والمساكين، وغير ذلك مما هو مشهور، وعلى صفحات التاريخ مسطور.
إذا كان فضل المرء في الناس ظاهراً .... فليس بمحتاج إلى كثرة الوصف
وما نشر الله في أقطار الدنيا أنواره، وبث في اليمن الميمون بركاته وآثاره ـ منذ أحد عشر قرناً ـ إلا لشأن عظيم، ولقد ملأ اليمن أمناً وإيماناً، وعلماً وعدلاً، ومساجد ومعاهد، وأئمة هدى، وما أصدق قول القائل فيه عليه السلام:
فسائل الشهب عنه في مطالعها .... والفجر حين بدا والصبح حين أضا
سل سنة المصطفى عن نجل صاحبها .... من علم الناس مسنوناً ومفترضا
وكراماته المنيرة، وبركاته المعلومة الشهيرة مشرقة الأنوار، دائمة الاستمرار على مرور الأعصار، وما أحقه بقول القائل في جده الحسين السبط صلوات الله عليه:
أرادوا ليخفوا قبره عن وليه .... فطيب تراب القبر دل على القبر(1/203)
[ترجيح مذهب الأئمة عليهم على غيره]
وأما المسلك الثالث: وهو في ترجيح مذهب أئمتنا عليهم السلام على غيره، فقد استدعى التنبيه على ذلك قول صاحب المقالة المذكورة: إن المذهب كان مذهب الشافعي، وإنما أحدث الهادي مذهباً لا أصل له، ونحن قبل أن نتكلم على ترجيح مذهب أئمتنا عليهم السلام، نسلك مع صاحب هذه المقالة طريقة الجدل، فنقول: أخبرنا لِمَ كان مذهب الشافعي هو المعتمد عندك ؟ أَلتقدمه ؟ أم لكثرة علمه ؟
فإن كان لمجرد التقدم على مذهب الهادي عليه السلام، فيلزم أن يكون مذهب الشافعي غير جدير بالإيثار والصحة والاعتماد، لتقدم مذهب أبي حنيفة عليه ؛ لأن أباحنيفة في زمن زيد بن علي عليه السلام، والشافعي في وقت قيام الإمام يحيى بن عبد الله عليهما السلام، ووقت أصحاب أبي حنيفة كالشيباني وغيره.
وقد تكلم الدامغاني في رسالته المشهورة، ونقم على الفقهاء أُموراً جمة، وعدّ هذا من جملتها، وهو إعتقاد جَهَلَتِهم أنهم هم الفائزون بالنجاة والصواب، وأن سائر الفرق غيرهم مخالفون للسنة والكتاب، فقال ما لفظه:
ومنها أنهم متهالكون في البدع التي توافق هواهم، كنصبهم المقامات الأربعة في الجوامع الكبار والحرم الشريف، يصلون فيها أربع جماعات بأربعة أئمة في وقت واحد، خاصة في صلاة المغرب، هذا مما أجمع على أنه بدعة مكروهة، -إلى أن قال -: وحملوهم على مذاهب الفقهاء الأربعة، أبوحنيفة، والشافعي، ومالك، وابن حنبل، وهذه بدعة ظاهرة ؛ لأن الله سبحانه يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78](1/204)
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره))(1)،
_____________
(1) - قال الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في كتابه لوامع الأنوار ج/2/397:
وعن ابن مسعود: أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم...إلخ)) أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي؛ ذكر الجميع ابن الأثير في جامع الأصول، وقد عُورض بحديث: ((أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره)) أخرجه الترمذي من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار، وله شواهد، وابن عساكر عن عمرو بن عثمان مرسلاً، بلفظ: ((أمتي مباركة لا يدرى أولها خير أو آخرها)).
وبحديث أبي ثعلبة الخشني لما سئل عن قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة:105]، قال: أما والله، لقد سألت عنها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فقال: ((ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنياً مُؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع العوام؛ فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم))، أخرجه الترمذي، وأبو داود، وزاد: قيل: يارسول الله، أجر خمسين رجلاً منا، أو منهم؟
قال: ((بل أجر خمسين منكم)).
وأخرج البخاري في خلق الأفعال من حديث أبي جمعة، ما لفظه: كنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يارسول الله، هل أحد أعظم أجراً منا، آمنا بك، واتبعناك؟.
قال: ((وما يمنعكم من ذلك، ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؛ بل قوم يأتون من بعدكم، يأتيهم كتاب بين لوحين، فيقضون به، ويعملون بما فيه؛ أولئك أعظم منكم أجراً)).
وبحديث عمر يرفعه: ((أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم يروني)) أخرجه الطيالسي.
قال الأمير: وهو وإن كان ضعيفاً، فإنه يشهد له ما أخرجه أحمد، والدارمي، والطبراني من حديث أبي جمعة، قال: قال أبو عبيدة: يارسول الله، أحد خير منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال: ((قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني)) إسناده حسن، وقد صححه الحاكم.
وقد أوردت الاحتجاج في هذا والمعارضة من روايات القوم؛ لكون أصل الكلام معهم في هذا الباب، وإلا ففي مرويات العترة ـ عليهم السلام ـ ما فيه تبصرة وذكرى لأولي الألباب؛ وقد تقدمت الإشارات إلى شيء من ذلك كما لا يخفى على ذوي العرفان بمواضع الخطاب.
هذا، وقد جمع بأن الخيرية مختلفة بالاعتبار:
* فالأولون باعتبار شرف قرب العهد من أنوار النبوة، ومشاهدة أعلامها، ونحو ذلك.
* والآخرون باعتبار الإيمان بالغيب، بعد انقضاء زمن الوحي، وظهور المعجزات؛ ولهذا كان أخيار الصدر الأول أخيار الأخيار، وأشرارهم أشرار الأشرار، ونحو ذلك من أوجه الاعتبار.
وعلى كل حال فجميع ذلك لا يفيد تعديل أفراد الرجال؛ وإنما المراد به الخصوص لما ورد في صريح الكتاب ومتواتر السنة من النصوص الدالة على جرح طوائف منهم غير محصورة كالناكثين، والقاسطين، والمارقين؛ حتى إن في بعضها أنه لا يخلص منهم إلا كهمل النعم، كما في أخبار الحوض المتواترة؛ وعلى جرح أفراد منهم بأعيانهم، كرؤوس تلك الطوائف الخاسرة، وهذه الأدلة المعلومة أصرح مما يتمسكون به.(1/205)