ولا شك أن أذيةَ الهادي عليه السلام أذية لعلي عليه السلام، وليت شعري من أين يسمى الهادي ملبساً ؟ أبنشرهِ الإسلام في اليمن ؟! أم بإحيائه لما مات من الفرائض والسنن ؟! أم برحضه له عن درن الإلحاد ؟! أم بَعَلِّه من نحور القرامطة أطراف الصعاد ؟! أم بتجرعه كأسات المصارع والجلاد ؟! أم بمشاكلته لعلي في علمه وبراعته؟!، ومماثلته في نصرة الإسلام للأسد في خلقه وشجاعته ؟! أم بمشابهة الأنبياء في خصافة يقينه، ومشاكلة الملائكة في عقد عزائم دينه ؟! أم بإعادته على الدين ناموسه، وتفجيره من العلوم قاموسه ؟! أم بتثبيته لقواعد الإسلام، وتصنيفه للمنتخب والأحكام، وإشادته لما اندرس من علوم آبائه الأئمة الأعلام، وطمسه ما رسمه أولي الكفر والإجرام، واقتطافه بذي الفقار رؤوس الباطنية الطغام، وحصده جيوش الملاحدة في كل مقام، ونصبه لجبينه في رهج الصدام لشواجر الرماح ونوافذ السهام، حتى أباد من جيوش الإلحاد كل لهام، وفلق من رؤسهم كل قحف وهام؟!(1/196)
ومن شعره عليه الصلاة والسلام:
الخيل تشهد لي وكل مثقف ....بالصبر والإبلاء والإقدام
حقاً ويشهد ذو الفقار بأنني ....أرويت حديه نجيعَ طغام
علاً ونهلاً في المواقف كلها ....طلباً بثار الدين والإسلام
حتى تذكر ذو الفقار مواقفاً ....من ذي الأيادي السيد القمام
جدي علي ذو الفضائل والنهى ....سيف الإله وكاسر الأصنام
هذه عيوب يحيى عليه السلام، فكيف يكون الزيْن إنْ عُدت هذه الأشياء من الشين!، وما أحسن ما قاله المؤيد بالله عليه السلام:
لقد خابت ظنوني عند قوم .... يرون محاسني من سيّآتي(1/197)
[غزارة علم الإمام الهادي عليه السلام]
وأما المسلك الثاني: فالقصد التنبيه على غزارة علمه عليه السلام، ليعلم الناظر هل يجده للتلبيس أهلاً؟
فمن تصانيفه عليه السلام: كتاب الأحكام، وكتاب الفنون، وكتاب المنتخب، وكتاب المسائل، وكتاب محمد بن سعيد، وكتاب التوحيد، وكتاب القياس، وكتاب المسترشد، وكتاب الرد على أهل الزيغ، وكتاب الإرادة والمشيئة، وكتاب الرضاع، وكتاب المزارعة، وكتاب أمهات الأولاد، وكتاب العمدة، وكتاب تفسير القرآن ستة أجزاء، وكتاب الفوائد جزآن، وكتاب الرازي جزآن، وكتاب السنة، وكتاب الرد على ابن الحنفية، وكتاب تفسير خطايا الأنبياء، وكتاب أبناء الدنيا، وكتاب الولَى، وكتاب مسائل الحسين بن عبد الله، وكتاب مسائل ابن سعيد، وكتاب جواب مسائل نصارى نجران، وكتاب بوار القرامطة، وكتاب أصول الدين، وكتاب الإمامة وإثبات النبوة والوصية، وكتاب مسائل أبي الحسين، وكتاب الرد على الإمامية، وكتاب الرد على أهل صنعاء، وكتاب الرد على سليمان بن جرير، وكتاب البالغ المدرك، شرحه السيد عليه السلام، وكتاب المنزلة بين المنزلتين.(1/198)
قال المنصور بالله عليه السلام: وقد تركنا قدر ثلاثة عشر كتاباً، لم نذكرها كراهة التطويل، وهي عندنا موجودة معروفة، وأول تصانيفه صنفها وهو ابن ستة عشر سنة، بلغت تصانيفه ثمانية وأربعين كتاباً، منها ماهو جزء، ومنها ماهو جزآن، ومنها ما هو ستة أجزاء، كما ذكرناه، هذا مع الإشتغال بالجهاد والجلاد، ومقارعة السيوف والصعاد، ومنازلة عفاريت الإلحاد، وإطفاء نيران الفتن في اليمن، وتدمير الفرق الغوية في ذلك الزمن، وكم له عليه السلام من مقام محمود، ويوم مشهود، عاد فيه وسيفه يقطر مهجاً، ويسيل لججاً، كم طفَّى وهجاً، وأباد منهجاً، وخاض غماراً، و عفى آثاراً، وأوضح مناراً، ودمر شراراً، وأباد كفاراً، وحَمَى ذماراً، وأنقذ من الهلاك أخياراً، هدى العباد، وأصلح البلاد، وعمر بالرشاد، وقمع أرباب الفساد، وقوّم الاعوجاج، وأثار العجاج، وملأ بالخيل الفجاج، وجلاّ براهين الحجاج.
هذا مع ما له عليه السلام من العبادة والزهادة، ومن وقف على تصانيفه عليه السلام، أيقن أنه لاحظ لصاحبها في غير التصنيف والتأليف، والرسائل والمسائل، ولم يدر أنه كلامٌ من يتغمس في الحرب، فيقط الرقاب، ويجدّل الأبطال، ويعود وسيفه ينطف دماً، ويسيل مهجا، كما قال عليه السلام في بعض أشعاره:
غريت أنامل راحتي بصفيحتي .... لله در خبعثن أغراها(1/199)
وهو مع هذه الحال زاهد الزهاد، وبدل الأبدال، فهو كما قال الرضي(1) في وصفه علياً عليه السلام: "ذلك من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جمع فيها بين الأضداد، وألف بين الأشتات، ومن نظر أيضاً إلى كلامه في الزهد والمواعظ، لم يخالجه شك في أنه كلامُ مَنْ لا حظَّ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت، وانقطع في سفح جبل، ولم يوقن أنه كلامُ مَنْ نفذ أمره، وأحاط بالرقاب ملكه، مع اختصاصه عليه السلام بالنشأة الطاهرة، والأعراق الطيبة، فرع طابت ثمرته، وكرمت شجرته، ولولا علمنا بأبيه لقلنا: أبوه من الملائكة الكرام، تهدأت إليه أغصان الفضائل، وبشرت به الملاحم والدلائل.
ولما ولد عليه السلام، حمله أبوه إلى جده القاسم عليه السلام، فدعا له، وبرَّك عليه، ووضعه في حجره، وقال لابنه: بم سميته.
_______________
(1) - قال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى : في التحف الفاطمية /138/ ط3:
أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين السبط ـ المتوفى سنة ست وأربعمائة ، عن ستة وأربعين عاماً.
وقال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في لوامع الأنوار ج/1/449 عنه:
وحاله في آل الحسنين أشهر من براح ، وأنور من فلق الصباح لذي عينين ، وقد أثنى عليه السابق من أئمة العترة واللاحق، منهم الإمام الحجة المنصور بالله عبدالله بن حمزة في الشافي ، وأفاد أنه من نجوم العترة المضيئة، وعيون العصابة المرضية، وكذا غيره من أئمة الأمة المحمدية، ومن شهد له خزيمة فهو حسبه، فلا يضره هرير الناصبية : (والحاسد القمر النوار في تعب) ، وكل ذلك لما هم عليه من الشقاوة ببغض السلالة النبوية، ولكونهم شاهدوا في النهج ما يهدم بنيانهم ، ويزلزل أركانهم....إلخ.(1/200)