وروى السيد أبو طالب عليه السلام عن الهادي عليه السلام أن بعض العلوية توسط بين المأمون والقاسم في أن يجيب عن كتابه بمال عظيم، فقال القاسم عليه السلام: لا يراني الله أفعل ذلك أبداً، ورد المال حين وصله كما تقدم.
ومن تصانيفه عليه السلام: كتاب المكنون في الوصايا والآداب، الجامعة للدين والدنيا.
وكان عليه السلام مستجاب الدعوة، دعا إلى الله في مخمصمة، فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به صاحب سليمان بن داوود فجاءه العرش قبل أن يرتد إليه الطرف، فتهدل البيت عليه رطباً.
ودعا مرة فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي إذا دعيت به أجبت، فامتلأ البيت عليه نوراً، وعلى الجملة فهذا المختصر لا يسع جزءاً يسيراً من فضائل القاسم عليه السلام، ومحامده، ومحاسنه الجمة، ومناقبه، وفي ذلك كتب مستقلة بذواتها، فمن أراد الاستيعاب فليطالعها.(1/191)
[حكم من جهّل القاسم عليه السلام]
وأما الأنموذج الثاني: وهو في حكم من نسب الجهل إلى القاسم عليه السلام، فحكمه الخطأ، لكنه يختلف بحسب اختلاف قصده، فإن قصد الاستهانة بالقاسم عليه السلام، فقد استهان بعظيم، وقال المنصور بالله في كتاب شرح الرسالة الناصحة:
منكر فضل أهل البيت عليهم السلام يشارك قتلة زيد بن علي عليهما السلام وأصحابه في سفك دمائهم، ووزر قتالهم ؛ لأن علة قتالهم لزيد بن علي عليهم السلام، إنكار فضله وفضل أهل بيته، صلوات الله عليهم، وما أوجب الله على الكافة من توقيرهم والرجوع إليهم، وأخذ العلم عنهم، والجهاد بين أيديهم، هذا كلام المنصور بالله بلفظه.
قلت: ولاشك في فسق قتلة زيد بن علي عليه السلام، وقد قال المنصور بالله الحكم في ذلك واحد، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15)}[النور]، اللهم اهدنا الصراط المستقيم، وجنبنا مداحض روافض أهل نبيك الكريم، ولله من قال في عدوهم:
قل له يبلغ في آل رسول الله جهدهْ .... قد علمنا أن من يبغضهم ليس لرشدهْ
هذا وإن كان ناسبُ الجهل إلى القاسم عليه السلام جاهلاً بحاله، ومحاسن خلاله، غير عارف بفضائله الوسام، ومكارمه العظام، وعلومه المتلاطمة الأمواج، وآياته المتسعة الفجاج، ومحامده الوضية الديباج، ومحاسنه الوهاجة السراج، فقد جهل الشمس نصف النهار، وأنكر ما يُشاهد من الأنوار، ولله القائل:
والشمس إن خفيت على ذي مقلةٍ .... نصف النهار فذاك محصول العما(1/192)
ولا بأس بتعريف هذا الجاهل ما جهله، وأما حكم السامع لما تقدم السؤال عنه، من التجهيل لمن له التجليل والتفضيل، ومن هو الحجة في العرفان بين التحريم والتحليل، فقد تقدم بيانه في المسألة الأولى، إلا أن يكون جاهلاً على التحقيق، أعني المتكلم في علم القاسم عليه السلام وفضله، فالأولى تعريفه وإرشاده إلى ماجهل من الفضل والفضائل، ولله القائل !:
وإذا خفيت علىاللئيم فعاذرٌ .... أن لا تراني مقلةٌ عمياءُ
المسألة الثامنة:
مايرى المتمسكون بمذهب الهادي عليه السلام فيمن روي عنه أنه قال: الهادي عليه السلام لبَّس على المسلمين أديانهم، والله ليسأله الله عن ذلك (معناه عن التلبيس)؟
ثم لم يقف على هذه الغاية حتى قال: لقد تكلّف الهادي مذهباً لا أصل له ولاصحة، والمذهب كان مذهب الشافعية، لكن أراد الهادي عليه السلام أن يُذْكر، هذا معنى كلامه، ماحكم من أطلق لسانه بهذا الكلام على يحي عليه السلام ؟ وما يلزم المتمسكين بالإسلام الحقيقي من الانكار ؟ وفيما أحسب لو سمع السادة الهارونيون من يتكلم بهذا الكلام على الهادي عليه السلام لأفتوا بجواز قتله وتحريقه وتغريقه.
الجواب والله الهادي إلى الصواب، يتم بإيراد أربعة مسالك:
الأول: في حكم صاحب هذه المقالة.
والثاني: في التنبيه على فضلٍ مِنْ فضلِ الهادي عليه السلام.
والثالث: في ترجيح مذهبِ أئمة الزيدية على غير ه من المذاهب.
والرابع: فيما يلزم من الإنكار على صاحب هذه المقالة القاتلة.(1/193)
[حكم من نسب التلبيس إلى الهادي عليه السلام]
أما المسلك الأول: فحكم من نسب التلبيس إلى الهادي عليه السلام حكم قَتَلة زيد بن علي عليه السلام، كما مر بيانه في المسألة التي قبل هذه المسألة، ولا شك في فسق قتلة زيد بن علي، عليه السلام، وها هنا تلخيص زائد، وهو أن المتكلم بهذا الكلام على الهادي عليه السلام، مُخْرج له من الهداية إلى الغواية، ومُلَبّس له ثوب التلبيس، الذي هو رداءُ إبليس، وناظم له في سلك الملحدين، ونازع عنه لباس الأئمة الهادين، فهو في هذه المقالة المردودة مكفر للهادي عليه السلام، ومساوٍ بينه وبين علي بن الفضل القرمطي في وقت الهادي عليه السلام، وفي الحديث: ((من كان في قلبه مثقال حبة من خردل عداوةً لي ولأهل بيتي، لم يرح رائحة الجنة))(15)، ولا أعظم عداوةً ممن نسب التلبيس إلى الهادي عليه السلام، وقد أحيى صاحب هذه المقالة مذهب معاوية -لعنه الله-، في سب علي عليه السلام، وهذا هجيرا النواصب.
__________________
([15]) - قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام في شرح الرسالة الناصحة [تحت الطبع]:
وقد روينا عن نبينا رسول الله صَلّى الله عَلَيه وآله وسلّم أنه قال: (( من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل عداوة لي ولأهل بيتي لم يرح رائحة الجنَّة )) انتهى.
ولهذا الخبر شواهد كثيرة بمعناه منها: ما رواه الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام في الشافي قال: وكذا الخبر من طريق علي عليه السلام: ((حرمت الجنَّة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، والمعين عليهم ))...إلخ).
قال المولى العلامة الحسن بن الحسين الحوثي رحمه الله تعالى في التخريج: رواه علي بن موسى الرضى، وأبو طالب، وابن عساكر عن علي.
قال المولى العلامة الحسن بن الحسين الحوثي رحمه الله تعالى في التخريج: ((لا يبغضنا أحد إلاَّ أدخله الله النار))، أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد وأخرجه الحاكم عنه ـ أيضاً ـ بزيادة: ((والذي نفسي بيده))، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أبغضنا أهل البيت حشرة الله يوم القيامة يهودياً وإن شهد أن لا إله إلاَّ الله))، أخرجه الطبراني والعقيلي عن جابر، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا نالت شفاعتي من لم يخلفني في عترتي))، أخرجه المرشد بالله، وكذا حديث جرير البجلي السابق (ألا ومن مات على بغض آل محمد...إلخ)، وقد رواه الزمخشري في ( الكشاف )، وقول علي عليه السلام: (لييحبّني قوم حتى يدخلوا النار في حبّي، وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي)، أخرجه أحمد بن حنبل عن علي عليه السلام، وقول علي عليه السلام: (الحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنَّة حبنا، والسيئة التي من جاء بها أكبه الله في النار ولم يقبل منه عملاً بغضنا)، رواه الثعلبي عن أبي عبدالله الجدلي.
قال الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في لوامع الأنوار ج/2/612:
[قال أيده الله تعالى في التخريج]: وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: ((اشتد غضب الله وغضب رسوله على من أهرق دم ذريتي، أو آذاني في عترتي)) أخرجه الإمام علي الرضى بسند آبائه ـ عليهم السلام ـ.
وأخرج ابن المغازلي بلفظ: ((اشتد غضب الله وغضبي على من أهرق دمي، أو آذاني في عترتي)).
وأخرجه ابن النجار عن أبي سعيد، بلفظ: ((والله اشتد غضبه على من أراق دمي، أو آذاني في عترتي))، وأخرجه الديلمي عن أبي سعيد، بلفظ: ((إشتد غضب الله على من آذاني في عترتي)).
وأخرجه البزار عن ابن عمر، ذكره السيوطي في الجامع الصغير.
وأخرج الجعابي من الطالبيين: ((من آذى عترتي فعليه لعنة الله))، وأخرج أيضاً: ((من سب أهل بيتي، فإنما يريد الله والإسلام)).
وروى الأصبغ بن نباتة، عن علي (ع) مرفوعاً: ((من آذاني في أهل بيتي، فقد آذى الله، ومن أعان على أذاهم وركن إلى أعدائهم فقد آذن بحرب من الله؛ ولا نصيب لهم في شفاعتي)).
وقد سبق في سند البساط ما أخرجه الناصر للحق بسنده إلى الباقر ـ عليهما السلام ـ، قال: حدثنا جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: خطبنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فقال: ((أيها الناس، من أبغضنا ـ أهل البيت ـ بعثه الله يوم القيامة يهودياً)).
قال: قلت: يارسول الله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟.
قال: ((وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)).
وأخرجه الطبراني والعقيلي عن جابر بلفظ: ((من أبغضنا ـ أهل البيت ـ حشره الله يوم القيامة يهودياً، وإن شهد أن لا إله إلا الله))، انتهى من اللوامع.(1/194)
وقد روي: أن سبب قيام الإمام محمد بن جعفر الصادق(16) عليهما السلام، أن رجلاً في زمن المأمون صنف كتاباً وسب فيه أهل البيت عليهم السلام؛ حتى اتصل بفاطمة عليها السلام، رواه الفقيه محمد الديلمي رحمه الله، وهكذا كان سبب قيام زيد بن علي عليه السلام ما سمعه من سب يهودي في مجلس هشام -لعنه الله- لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحال واحدة، أولاَ ترى إلى كلام ابن عباس رضي الله عنهما حين سمع سب علي عليه السلام فقاده ولده حتى وقف على أهل السبّ فقال: أيكم الساب لله؟
فقالوا: حاشا لله ما كان ذلك.
فقال: فأيكم الساب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فقالوا:حاشا لله ما كان ذلك.
فقال: فأيكم الساب علياً ؟
قالوا: قد كان ذلك.
فقال: شاهت الوجوه، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من آذى علياً، فقد آذاني، ومن آذاني، فقد آذى الله، ومن آذى الله، أدخله النار)) أو كما قال.
_______________
([16]) - قال الإمام الحجة / مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في التحف ط/3/152:
الإمام الصوام أبو علي محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين السبط عليهم السلام.
دعا إلى الله بمكة المشرفة .
قال في طبقات الزيدية : قال الذهبي سنة مائتين .
ونابذ الظالمين ، وجاهد الفاسقين ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وكان يخرج إلى الصلاة في مكة المكرمة في ثلاثمائة من الزيدية عليهم ثياب الصوف ، وأسر عليه السلام بعد وقعات كثيرة ، ووجه إلى المأمون العباسي ، فتلقاه بالإنصاف ، ثم دس له السم .(1/195)