المسألة السابعة:
ما تراه القاسمية نوّر الله بعلومها حنادس الجهالات، وقطع بسيوفها كراديس الضلالات، فيمن جهّل القاسم بن إبراهيم عليه السلام، مسلوب الرباعيتين، الذي ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((مسلوب الرباعيتين من أهل بيتي، ولو كان بعدي نبي لكان هو)) ما حكم الصائر إلى هذه الغاية في الجهالة والضلالة ؟
الجواب: والله الهادي إلى منهاج الصواب، يكمل بإيراد أنموذجين:
* الأول: في التنبيه على فضل القاسم عليه السلام.
* والثاني: في حكم من نسب إليه الجهل، وحكم ما يلزم من الإنكار.(1/186)
[فضائل القاسم بن ابراهيم عليه السلام]
أما الأنموذج الأول: ففضائل القاسم عليه السلام لا تحصى، ومحامده النبوية لا تُسْتقصى، وهو كما وصفه الفقيه حميد رضي الله عنه، كان عليه السلام من أقمار العترة النبوية، ويواقيتها المشرفية المضيئة، إنتهت إليه الرياسة في عصره، وتميز بالفضائل على أبناء دهره.
ووصفه الفقيه المقام الفاضل الديلمي، رحمه الله رحمة الأبرار، فقال شعراً:
نور من الملكوت مَثَّل صورة .... بشرية ضلت عليه دليلاً
لو لم يكن ختم الرسالة جده .... خلناه في هدي الرسول رسولاً
هذا الذي بهرَ العقول جلالُه .... وتجاوز التشبيه والتمثيلا
إن كنت تجهل قدره فاسأل به ال .... ـه القرآن والتوراة والإنجيلا
وروى الفقيه حميد رضي الله عنه عن الإمام المنصور بالله عليه السلام، يرويه عن آبائه إلى شيخ من شيوخ آل الحسن، كان يدرس عليه فتيان آل الحسن، وكان إذا دخلوا قام في وجوههم، وعظّمهم، وأقسموا عليه لا فعل، وكان القاسم عليه السلام من شباب ذلك العصر، فكان إذا أتى، قام في وجهه، وعظّمه، فقالوا أيها السيد: إنا قد عَذرناك وهذا الفتى لك اعذر.
فقال: لو تعلمون من حق هذا الفتى ما أعلم، لاستصغرتم ما أصنع في حقه.
قالوا: وما تعلم ؟(1/187)
قال: هذا الفتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يخرج من ذريتي رجل مسلوب الرباعيتين، لو كان بعدي نبي، لكان هو)).
وفيه يقول الشاعر من أبيات اختصرت أكثرها:
ولو أنه نادى المنادي بمكة .... بخيف منىً فيمن تضم المواسم
مَن السيد السباق في كل غاية .... لقال جميع الناس لا شك قاسم(9)
وله عليه السلام العلم الغزير، والتصانيف الفائقة في علم الكلام وغيره من الفنون، منها كتاب "الدليل الكبير"، ومنها كتاب "الدليل الصغير" في الرد على الفلاسفة، وكتاب العدل والتوحيد الصغير، وكتاب العدل والتوحيد الكبير، وكتاب الرد على المجبر، وكتاب الرد على ابن المقفع، وكتاب الرد على النصارى، وكتاب المسترشد، وكتاب تأويل العرش والكرسي على المشبهة، وكتاب الأهليلجة في محاورة الملحد، وهو رجل من أرباب النظر من الملحدة، كان يغشى مجالس المسلمين ويورد عليهم الأسئلة الصعبة في قدم العَالَم، وغير ذلك، حتى وافاه الإمام عليه السلام، وأورد ما عنده من المشكلات، فَوَضّح له الحق، فتاب إلى ربه تعالى، ثم قال: تعست أمةٌ ظلت عن مثلك.
____________
([9]) - بعده كما في أنوار اليقين والحدائق الوردية:-
إمام من أبنا الأئمة قدمت .... له الشرف المعروف والمجد هاشم
أبوه علي ذو الفضائل والنهى .... وآباؤه والأمهات الفواطم
بنات رسول الله أكرم نسوة .... على الأرض والآباء شم خضارم
تمت ولله القائل وهي من مُؤَلف الديلمي رحمه الله تعالى، تمت من هامش(أ).(1/188)
ودخل جعفر بن حرب على القاسم عليه السلام، وكان من شيوخ المعتزلة، فجاراه في دقائق علم الكلام، فلما خرج من عنده، قال: أين كنا من هذا الرجل، فوالله ما رأيت مثله.
ومن تصانيفه عليه السلام، كتاب تثبيت الإمامة؛ في نصرة مذهب الزيدية في تقديم أمير المؤمنين عليه السلام على المشائخ، وأورد من الأسئلة العجيبة في هذا المعنى على المتقدمين عليه ما يشهد على أنه البحر الزخّار، والقمر النوار، والغمام المدرار، وتصانيفه عليه السلام في الفقه أكثر من أن تذكر، منها كتاب الفرائض والسنن، وكتاب الطهارة، وكتاب صلاة اليوم والليلة، ومسائل ابن جهشيار، وكتاب النيروسي، وله عليه السلام في علوم القرآن ماليس لغيره، إذا أخذ يتكلم فيها فكأنه فنه الذي عليه نشأ، وله كتاب الناسخ والمنسوخ، وله في المواعظ والآداب كتاب سياسة النفس، فصل من فصوله يشفي كل غله، ويُبرئُ كل علة، بالغ عليه السلام في التزهيد في الدنيا وذمها، والترغيب في دار الخلود ووصفها، وحذر فيه وأنذر، وجمع فيه ما انتشر، من المواعظ، والآداب، والحكم، والوصايا، والملح، والنوادر، والأمثال، والغريب، ما لم يحط كتاب بمثله.
قال الفقيه الديلمي رضي الله عنه: ورد في القاسم بن إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة، وتصانيفه تشهد له بالعلم والفضل، وكان فصيحاً متكلماً، وكان الناصر عليه السلام يقول لو جاز قراءة شعر أحد في الصلاة لكان شعر القاسم عليه السلام.(1/189)
قلت: لعل الناصر عليه السلام أراد بما قال، أن شعر القاسم عليه السلام مشتمل على المواعظ والحكم، والحث على طاعة الله سبحانه، والترغيب في الزهد، وقمع الشهوات، وإيثار الآخرة على الأولى، ولباس شعار الصبر في البأساء والضراء، كما روي: أن المأمون أرسل إليه عليه السلام بوقر سبعة أبْغُل دنانير على أن يجيبه بكتاب، أو يبتديه بكتاب، فأبا القاسم ذلك، وأمر برد المال بعد أن وصل إليه، فلامته عليه السلام امرأته في ذلك، فقال عليه السلام هذه الأبيات:
تقول التي أنا عرس لها .... وِقاؤُ الحوادث دون الردى
ألست ترى المال منهلة .... مخارم أفواهها باللها
فقلت لها وهي لوّامة .... وفي عيشها لو صَحَت ما كفى
كفاف امرء قانع قوتُه .... ومن يرض بالقوت نال الغنى
فإِني وما رمتِ في نيله .... وقَبْلَك حب الغنى ما ازدهى
كذي الداء هاجت له شهوة .... فخاف عواقبها فاحتمى
وله عليه السلام في مثل ذلك:
وَعاذلة تورقني .... وجنح الليل معتلج
فقلت رويد عاتبة .... لكل مهمة فرج
أسرّك أن أكون رتعـ .... ـت حيث المال والبهج
وأني بت يصهرني .... بحرِّ فراقه وهج
فأُسلب ماكَلِفت به .... ويبقى الوزر والحرج
ذريني خلف قاصية .... تضايق بي وتنفرج
ولا ترمين بي غرضاً .... تطاير دونه المهج
إذا أكدى جَنى وطنٍ .... فلي في الأرض منفرج(1/190)