وقد روي بالإسناد الصحيح؛ أن الحسين عليه السلام كان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأراد أن يخرج إلى بيت أمه فاطمة عليها السلام، ومطرت السماء، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمسكه، فأمسكت السماء حتى وصل الحسين إلى أمه فاطمة عليهما السلام، فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تقع عليه قطر المطر، مع أنه رحمة للحسين عليه السلام، فكيف حاله لو رآه وقد وقعت عليه السهام، وطعن بالرماح، وقطع بالسيوف إرباً إرباً، ورُكِض على جسده الشريف بالدواب، وحوافر الخيل، حتى كُسِرت عظامه، وأُبِين رأسه من جسده الشريف، فويل للكافرين من عذاب شديد، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم من أنكا حسيناً فلا تغفر له))(3).
_____________
([3]) - روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: ((من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني)) يعني حسناً وحسيناً، انتهى، وهو بمثل هذا اللفظ في:سنن ابن ماجه 1/51 برقم 143، السنن الكبرى 5/49 برقم 8168، مسند أبي يعلى 11/78 برقم 6215، المعجم الكبير 3/48 برقم 2646.
قال المولى العلامة الحسن بن الحسين الحوثي رحمه الله في التخريج:
قوله [أي الإمام الأعظم المنصور بالله عليه السلام في الشافي]: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني))، قال: ورواه محمد بن سليمان الكوفي بإسناده إلى أبي هريرة من ثلاث طرق، عن سلمان قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه اللَّه، ومن أحبه اللَّه أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما، وبغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه اللَّه، ومن أبغضه اللَّه أدخله نار جهنم، وله عذاب مقيم)) أخرجه الكنجي، وأبو نعيم، وأخرجه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه الشافعي محدث الشام الدمشقي المعروف بابن عساكر، وأخرجه الإمام أبو طالب وهو في أماليه عن زاذان عن سلمان، تمت من تتمة الإعتصام.
وأخرجه أحمد عن أبي هريرة من ثلاث طرق بعبارة الأصل، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك، وأبونعيم أيضاً بعبارة حديث سلمان، وقد أخرجه عن سلمان الحاكم أيضاً في المستدرك، وروى نحوه الهادي إلى الحق عليه السلام في الأسانيد اليحيوية.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)) أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة عن إسرائيل، تمت شرح تحفة.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحبني أحب هذين يعني الحسنين)) أخرجه ابن حاتم عن عبدالله، وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيهما: ((إني أحبهما فأحبوهما)) أخرجه الدولابي عن يعلى بن مرة من حديث طويل، تمت شرح تحفة أيضاً.
وروى القاضي عياض قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحسنين: ((من أحبهما فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب اللَّه، ومن أبغضهما فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض اللَّه)) رواه في الشفا مرسلاً.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)) أخرجه أحمد، وابن ماجة، والحاكم عن أبي هريرة، تمت من الجامع الصغير للسيوطي. انتهى من التخريج.
([4]) - البخاري / الإعتصام بالكتاب والسنة برقم 6762، مسلم / الحج 2429، أحمد / باقي مسند المكثرين 13012، الجامع الصحيح المختصر 3/1157 برقم 3001، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 9/32 برقم 3717، السنن الكبرى 2/486 برقم 4278، سنن البيهقي الكبرى 5/196 برقم 9731، مسند أبي يعلى 1/228 برقم 263، مسند أبي داود الطيالسي 0/26 برقم 184، مسند إسحق بن راهويه 1/376 برقم 396، فضائل الصحابة 2/704 برقم 1204.
.(1/181)


وفي كتاب "الدولتين" عن الحسن البصري قال: قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام ستة وعشرون من أهل بيته، والله ما على وجه الأرض يومئذٍ أهل بيت يشبهون بهم، ولله القائل:
يا ويل من شفعاؤه خصماؤه .... والصور في يوم القيامة يُنفخ
لا بد أن ترد القيامة فاطمٌ .... وقميصها بدم الحسين ملطخ
قال الديلمي رحمه الله تعالى:
اعلم أن العلماء قد أجمعوا على فسق معاوية ويزيد، وعلى لعنه وشتمه، حتى الحشوية، وإن اختلفوا في كفره، فهل يقع شك في أن قَتْل ستة آلاف من أولاد المهاجرين والأنصار، ونهب المدينة ثلاثة أيام، وإيطاء الخيل حوالي قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كفرٌ ظاهر، ونفاق شاهر، ولا يختلف مسلمان في أن قتل حمامة أو عصفور حدثاً، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل: ((أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين))(4)، وكذلك حرّق بيت الله، شرّفه الله، وجلس في موضع ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنصوص على إمامته، وفضله، وفي شأنه وبيانه وحياته عجب لمن يتفقد.
وروى السيد أبو العباس رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرض الوفاة فحضرته وهو يقول: ((مالي وليزيد لا بارك الله فيه، اللهم العن يزيد))، ثم غشي عليه طويلاً وأفاق، فجعل يقبل الحسين، وعيناه تذرفان، ويقول: ((أما إِن لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله تعالى))(5).
______________
([5]) - قال المولى العلامة الحسن بن الحسين الحوثي رحمه الله تعالى في التخريج مالفظه:
وكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث معاذ الذي أخرجه الطبراني عنه ((يزيد لا بارك الله في يزيد ))،ثم قال ((واهاً لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف))....الخ، وليس إلا لأن له عناية من الأمر والتجهيز فسمي قاتلاً وإن لم يباشر بيده.
وقد جُعل الراضي بالفعل فاعلاً قال تعالى في ثمود: {فَقُلْ تَعَالَوْا}[أل عمران:61]، والمتولي لعقر الناقة هو قدير بن سالف، لكن رضوا فشاركوا، وقال تعالى في فرعون: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}[القصص:4]، ومن المعلوم أنه ليس المتولي لذلك بيده.
وقد مرّت رواية أبي سعيد السمان بسنده الى ابن عمر أنه صلى الله عليه وآله وسلم تنفس ثم قال: ((يزيد لا بارك الله في يزيد، أما إنه نُعى إليّ الحسين بن علي.......... الخ )).(1/182)


[حكم من قال بالتوقف في يزيد]
وأما الركن الثاني: وهو في حكم صاحب هذه المقالة، فهو مخطٍ في طرف، ومصيب في طرف، فخطأه حيث قال لا يجوز لعنه، وصوابه حيث أشار أنه لا يجوز الترضية عنه، وهذا إنما هو في مشتبهات الأمور، آخذاً بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((المؤمنون وقّافون عند المشتبهات))، وأما يزيد -لعنه الله-، فلا شبهة في كفره أو فسقه، فصاحب هذه المقالة متجاهل منكر لما علم ضرورة ؛ لأن المعلوم من طريق التواتر قتل يزيد للحسين عليه السلام علماً ضرورياً، لا شك فيه ولا ريبة، كعلم أحدنا أنه كان في الدنيا يزيد بن معاوية، وهذا مما لا ينتفي عن أحد بشبهة، ومن سلم هذا العلم، لزمه تسليم ما هو مثله في الجلاء والظهور، وهو قتل يزيد -لعنه اللَّه- للحسين عليه السلام، ومن أنكر أن يكون يزيد قاتلاً للحسين عليه السلام، فقد أنكر الحقائق وتسفسط في مذهبه.(1/183)


[ما يلزم من الإنكار على القائِل بالتوقف]
وأما الركن الثالث: فالقائل بهذه المقالة، إن قصد بها إنكار لعن يزيد - لعنه الله -، وأنه لا يجوز لأحد من المسلمين لعنه، فقد أنكر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعنه ليزيد - لعنه الله -، وردّ في ذلك إجماع العترة النبوية، وقد تقدم حكم من خالف إجماع العترة عليهم السلام، وإن قصد بمقالته أنه لم يصح له قتل يزيد - لعنه الله - للحسين عليه السلام، فلو صح لفسَّقه، وهلَّكه، وهذا هو المعروف من مذهب رواة الحديث، وأهل التنسك في أمصار الشافعية، وقد سَرَتْ هذه المقالة إلى متنسكين في زماننا، ومظهرين للتمسك بمذهب الأئمة الأطهار، وسمعتُ ذلك من بعضهم، والأمر أهون، ولكن لا يعد صاحب هذه المقالة من الزيدية ؛ لأن الزيدية مجمعون على تضليل يزيد - لعنه الله - وتهليكه، من دون توقف في شأنه، وجر على نفسه بهذا التوقف البارد التهمة، بمحبة يزيد -لعنه الله-، وتحسين قبائحه، ومجانبة حبل العترة النبوية، والسلالة الفاطمية.(1/184)


[شبهة وجوابها]
خيال: قالوا: لم يتعبدنا الله بلعن أحد من خلقه، فلو أن مسلماً لقي الله وصحيفته خالية من لعن الشيطان، ما قيل له: لِمَ لَمْ تلعن الشيطان، بل قد كره ذلك، وجاء فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((المؤمن لا يكون لعاناً))، وفي كلام علي عليه السلام: (أكره لكم أن تكونوا سبابين).
قلنا: لا خلاف في صحة ما قلتم، ولكن تعبدنا الله بالبراءة من أعدائه، وعلامة التبري لعن المتبرأ منه، وفيه إهانة لعدو الله، ودعاءٌ عليه بالإنتقام، وقد كان الرسول يلعن أقواماً، منهم معاوية ويزيد في الرواية المتقدمة، وعلي عليه السلام كان يقنت بلعن جماعة، منهم معاوية، وقد جاء في القرآن الكريم {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(18)}[هود] وابن الزبَعْرَى سب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في سبعين بيتاً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم إني لا أحسن الشعر، ولكن العنه بكل بيت لعنة))، فلعنه الله سبعين لعنة، والنهي الوارد في ذلك أن يجعله الإنسان ديدناً وهجيراً، كما هو مذهب الإمامية، لا يحركون ألسنتهم بأكثر من اللعن والسب والأذية، وهذا هو موضع الكراهة ومتناولها. فأما رأينا، فليس إلاّ إظهار التبري من موالاة أعداء الله، فإذا ظهر من الإنسان التبري، فهو المأخوذ عليه، والمتعبد به، فأما حين يتهم بموالاة أعداء الله، يزيد وأمثاله، فإنه يجب عليه إظهار لعنه، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في الرواية عن المنصور بالله عليه السلام، والتهويل بذكر الشيطان -نعوذ بالله من شره- لاطائل تحته ؛ لأن المعلوم كراهة المسلمين لعدوهم، وهو عدوهم بنص الذكر الحكيم، وتعريف القرآن العظيم، فلو قدّرت أن في الناس من يوالي الشيطان، كانت المسألة واحدة، فافهم وتأمل.(1/185)

37 / 51
ع
En
A+
A-