وقال عليه السلام في دعوته: (أيها الناس إني أدعوكم إلى ما أمرني الله أن أدعوكم إليه، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما جاء به الكتاب اتبعناه وما نهانا عنه اجتنبناه، إلى أن نأمر نحن وأنتم بالمعروف ونفعله وننهى عن المنكر جاهدين ونتركه؛ وبعد يا أيها الناس فإني أشترط على نفسي الحكم بكتاب الله وسنة نبيه والإثرة لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم، أؤثركم ولا أتفضل عليكم وأقدمكم عند العطاء قبلي وأتقدم أمامكم عند لقاء عدوي وعدوكم بنفسي وأشترط لنفسي عليكم اثنتين: النصيحة لله سبحانه في السر والعلن والطاعة لأمري على كل حالاتكم ما أطعت الله فيكم، فإن خالفت طاعة الله فيكم فلا طاعة لي عليكم وإن ملت أو عدلت عن كتاب الله عز وجل فلا حجة لي عليكم ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا [36ب] مِنْ الْمُشْرِكِينَ?[يوسف:108] ولما خرج إلى (اليمن) في المرة الأولى بلغه أن بعض الجند غصب شيئاً من الخوخ فأكله؛ فرجع عن ذلك الموضع وقال: لا أكون مثل المصباح يحرق نفسه ويضيء لغيره، وكان يتفقد الحبس بنفسه، ويأمر بتنظيفه ويجعل للمحبوسين قيوداً بأقفال ليفتح في أوقات الصلاة، وجلس يوماً للمظالم فغلبه النوم ودخل لينام، فخرج سريعاً وقال: خفت أن أنام، ولعل فيهم مظلوماً، وكان يأمر عماله بصرف الريع مما يجمعه للفقراء من أهل بلده ويقول: إن وسع الله علينا تركنا لهم النصف، وإن أغنانا الله بما يحتاج إليه المجاهدون تركنا لهم الجميع وعممنا به جميع المستحقين، وقيل له: إنك إن لم تأخذ العشر إلا مما بلغ خمسة أوسق لم تجمع إلا القليل.
فقال: لا يحل أن نأخذ إلا ذلك ولا نأخذ مالا يجوز لنا أخذه.(1/182)
وكان إذا طاف بعسكره في (نجران) أخذ على العسكر أن لا يدخلوا الزرع ولا يفسدوا على الناس ثمارهم ويشدد عليهم فيه ويقول في الليل لبعض أصحابه: هل رأيت من عرض لشيء من ثمار الناس؟
فيقول: لا.
فيقول: الحمد لله كثيراً. ولما أتى (بطنة حجور) تلقاه أهلها بالسمع والطاعة ونزل في موضع بالقرب من القرية فجاءه أهل البلد وعرضوا عليه العلف للدواب فامتنع من ذلك؛ فقالوا: نحن نجعل العسكر في حل منه، فأبى ولم يقبل منهم علفاً ولا غيره.
ولما أهدى إليه الحكمي الذي أراد موالاته هدايا ردها وقال: (هذا ظالم ولعلها من أموال الرعية)، ووثب رجل من رؤساء شاكر على عماله في صباه وطردهم فقصده الهادي [عليه السلام] بنفسه وهدم داره، وكان له فيه طعام فوقف بنفسه على هدمه فلم يؤخذ عليه منه حبة ولا تمرة، وأوقع [عليه السلام] بأهل (أثافت) بعد محاربتهم إياه وهربوا؛ فبلغه أن بعض العسكر أخذوا شيئاً من أثاثهم فغضب واحتجب عنهم وهم باعتزال الأمر وقال: (لا يحل لي أن أقاتل بمثل هؤلاء)، فتابوا وردوا جميع ما أخذوا.
ولما توفي عليه السلام لم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا عقاراً ولا أثاثاً.
ولما كان في (صنعاء) في حرب بني يعفر واحتاج إلى نفقات للعسكر طلب من تجار (صنعاء) قرضاً فامتنعوا، فارتحل ولم يكرههم عليه مع تسويغ الشرع[37أ] له في مثل تلك الحال للاستعانة بخالص المال تورعاً واحتياطاً.(1/183)
[(29)الإمام الحسن بن علي بن الحسن(الناصر الأطروش)]
( 225 - 304 هـ / 840 - 917 م)
وأما الإمام الناصر للحق أبو محمد: الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام فهو الإمام المحيط بالعلوم كلها.
كان يقول: (حفظت من كتب الله ثلاثة عشر كتاباً، فما انتفعت منها كانتفاعي بكتابين: أحدهما: الفرقان لما فيه من التسلية لأبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما كابده السلف الصالحون من الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم والثاني: كتاب دانيال لما فيه أن الشيخ الأصم يخرج ببلد يقال لها (ديلمان) ويكابد من أصحابه وأعدائه جميعاً مالا يقدر قدره، ولكن عاقبته محمودة) وكان نظير الهادي [عليه السلام] في فضله وعلمه وزهده وبلاغته وشجاعته.
قال [عليه السلام] في بعض مقاماته في مدينة (آمل) وقد ازدحم عليه طبقات الرعية في مجلسه: (أيها الناس إني دخلت بلاد (الديلم) وهم مشركون لا يعرفون خالقاً فدعوتهم إلى الإسلام حتى دخلوا فيه فعرفوا التوحيد والعدل وهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في التوحيد والعدل ويناظرون عليهما، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ وأنتم معاشر الرعية ليس عليكم دوني حجاب ولا على رأسي أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي وشابكم ولدي، لا آنس إلا بأهل العلم منكم. في كلام له عليه السلام طويل، وكان خشناً زاهداً ورعاً عابداً مقبلاً على العبادة.
قال عليه السلام: (ليس لي شبر أرض ولا يكون لي إن شاء الله، ومهما رأيتموني أقتنى ذلك فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه).
ومن شعره [عليه السلام]:
وتصديق وعد الغيب رأي عيانِ
مدين فقلبي دائم الخفقان
فمن موبق أو فائز بجنان
وأظهرت أحكام الهدى ببيان
أراني أهوال المعاد بصيرتي
وأيقنت أني بالذي قد كسبته
وأن وعيد الله حق ووعده
فأعلنت بالتوحيد والعدل قائلاً(1/184)
ولما افتتح (طبرستان) ودخل مدينة (آمل) نزل في دار الإمارة وفيها قصور وغرف ومنازل، فلم يشتغل بعمارتها ولا نظر في إصلاحها حتى أخذت [37ب]في الانهدام والخراب؛ فروجع في عمارتها وإصلاحها فقال: إنما جئت للهدم والتخريب لا للعمارة والتجديد.
قالوا: إن الماء يكف على رؤوسنا من المطر.
فقال: نجلس في الجانب الآخر.
وقال [عليه السلام]: (ما وضعت لبنة على لبنة ولا آجرة على آجرة ومالي دار ولا عقار ولا شبر من الأرض ولا يكون لي ذلك إن شاء الله، ومتى رأيتموني آخذ من ذلك شيئاً فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه).
وجاءه رجل قد صحب السلاطين فقال: إني جئت للناصر بنصيحة ثم أخرج صحيفة مدرجة وقال: إن في هذه قبالات الأودية والأنهار التي كانت مقبلة وجعل يقرأ على الناصر ما فيها وما على كل وادٍ وكل نهر، فكان جملة ذلك ستمائة ألف درهم كل سنة.
فقال الناصر له: أنا لا أفعل هذا لأنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وما لا أجده فيهما فأنا لا أفعله.
فقال له الرجل: إن هذا شيء فعلته (الطاهرية) مع عدلهم والناس به راضون.
فقال له الناصر: إنما أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به أقتدي وإياه أتبع، وامتنع من قبول تلك الصحيفة ومزقها.
وكان عليه السلام إذا خرج إلى بعض النواحي أمر بحمل الطعام له ولخواصه وعلف لدوابهم، فلا يتناولون شيئاً غير ذلك وكان كثير الإنصاف لطلبة العلم والتعظيم لهم، يتفقد أحوالهم بنفسه ويعهد بهم ثقات أصحابه وكان يقف مع الضعيف والمسكين واليتيم فيقف خلفه العساكر العظيمة وهم يتعجبون من ذلك، وكان إذا كتب إليه أحد أصحابه وقال: من خادمه فلان غضب ولم يقرأ كتابه وكان يأمرهم أن يكتبوا إليه من وليه فلان، وكان يرد الهدايا ولا يقبلها ويقول: إنما هذه رشوة.(1/185)
وكان لا يغضي لأولاده وخواصه عن شيء مما لا يحل بل يغلظ لهم في ذلك ويتبرأ إلى الله مما فعلوه، وخرج إلى الناس قبيل موته فقال: إني خرجت لأسأل هل لأحد عندي مظلمة أو تبعة فأردها وأخرج منها وأصلحها؟
فقالوا: ليس لأحدٍ منا عليك شيء ولا نعرف أحداً يقول ذلك.
ولما نقله الله إلى دار كرامته صعد ليلة موته نور من منزله إلى السماء رحمة الله عليه ورضوانه.(1/186)