[(27)الإمام القاسم بن إبراهيم (أبو محمد الرسي)(ع)]
( 169 - 246 هـ / 785 - 860 م)
وأما الإمام الزاهد نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليه السلام.
فهو الجامع للفضائل والإمام الكامل الذي اعترف بعلمه وعمله الأواخر والأوائل، وكان عيانه أبلغ من سماعه واختياره أفضل من أخباره وما يرى فيه من الزهد أجل مما يروى عنه وما يعلم فيه من العلم أوسع مما يوصف عنه وما يتحقق فيه من الورع أكمل مما يضاف إليه، ولو ادعيت العصمة لأحد بعد الأنبياء لادعيت له ولو جاءت النبوة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجاءت له ومن جعله بينه وبين الله فقد نجا.
روى الهادي [عليه السلام] عن أبيه أن (المأمون) كلف بعض (العلوية) أن يتوسط بينه وبين القاسم عليه السلام على أن يبذل له مالاً عظيماً، فخاطبه في أن يبدأه بكتاب أو يجيبه عن كتاب فقال [عليه السلام]: (لا يراني الله أفعل ذلك أبداً)، وبعث إليه بوقر سبعة أبغل دنانير على أن يأخذها ويجيب عن كتابه، فكره ذلك ورد المال فلامه أهله، فقال:
وقاء الحوادث دون الردى
محارم أفواهة باللهى
وفي عيشها لوصحت ما كفى
ومن يرضَ بالقوت نال الغنى
وقبلك حب الغنى ما ازدهى
فخاف عواقبها فاحتمى
تقول التي أنا ردء لها
ألست ترى المال منهلة
فقلت لها وهي لوامة
كفاف امرئٍ قانع قوته
فإني ومَا رمت في نيله
كذا الداء هاجت له شهوة
وكان له [عليه السلام] من خشية الله ما يشبه به أمير المؤمنين [عليه السلام] وإعراضه عن الدنيا وورعه أشهر من أن يذكر وأظهر من الشمس والقمر.(1/177)
[(28) الإمام الهادي إلى الحق: يحيى بن الحسين(ع)]
( 220 - 298 هـ / 835 - 911 م)
وأما الإمام الجامع لأوصاف الإمامة العظمى، الراقي من الفضائل إلى ذلك المحل الأسمى، قمر العترة المنير وبحر علومها الغزير، الهادي إلى الحق: يحيى بن الحسين عليه السلام فعلمه وزهده وورعه وما نشر الله على يده من العلوم والفضائل أمر يعرفه الخاص والعام، وشيء لا يخفى على ذوي [35أ] الألباب والأفهام وأنه عليه السلام أقام في اليمن لجهاد أعداء الله قدر عشرين سنة تنقص قليلاً، قرر فيها قواعد الدين ونشر العدل في المؤمنين ومد جناح الرأفة على المسلمين وسار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة وصيه الأنزع البطين.
قال عليه السلام: (والله الذي لا إله إلا هو ما أكلت مما جئت من اليمن شيئاً ولا شربت منه الماء، وما أنفق إلا من شيء جئت به معي من الحجاز). وهذا ورع شحيح فإنه عليه السلام عف عن الحرام، وكان نحوه زلة أن يتناول من الجزية وأخماس المغانم ونحوها.(1/178)
[نماذج مضيئة من زهده وورعه]
قال في (هداية الراغبين) للسيد العلامة: الهادي بن إبراهيم بن الوزير رحمه الله: لو قال قائل بأن الهادي [عليه السلام] لم يسبقه إلى ورعه هذا أحد من الأئمة والخلفاء لكان صادقاً؛ هؤلاء الخلفاء من الصحابة هم قدوة المسلمين وعظماء أهل الدين، كانت لهم أرزاق فرضوها لأنفسهم من ما يسوغه الشرع النبوي - وساق الكلام إلى - ما يدلك على تفرده بزيادة ورع لم يسبقه إليه سواه؛ ومن ورعه [عليه السلام] أن بعض العلوية طلب منه قرطاساً يكتب فيه، فقال للرسول: القرطاس لا يحل له، ودفع إلى الغلام ورقة قطن وقال لغلامه عبيد لله بن حذيف: اشتر لي تبناً أعلفه دوابي.
فقال له: ليس نجد إلا تبن الأعشار.
فقال له [عليه السلام]: لا تشتري لنا منه شيئاً وأنت تقدر على غيره، قال: فلم أجد غيره، فأمرت بعض غلمان الخيل فأخذ منه كيلاً معروفاً حتى نشتري ونرد مثل ما أخذنا، فعلم الهادي فوجه إلى عبيد الله فكلمه بكلام غليظ فقال: أخذنا منه كيلاً لنرد مكانه.
فقال [عليه السلام]: لسنا نريد منه شيئاً، مالنا وللعُشر خذوه فاعزلوه حتى نعلفه من يحل له، ولم يعلف منه خيله تلك الليلة وأمر أن يطرح للخيل قصب ثم قال: اللهم إني أشهدك أني قد أخرجت هذا من عنقي وجعلته في أعناقهم وصاح [عليه السلام] بغلام يسأله عن خرقة.
قال: قد رفعتها، قال: أخرجها إلي؛ فأخرجها من بين ثيابه فلما أخرجها قال للغلام: ويلك تضع خرقة من الأعشار بين ثيابي. وتطهر يوماً للصلاة فمسح وجهه بخرقة فاسترجع وقال: هذه الخرقة من العشر ولا يحل لنا أن نمسح بها وجوهنا، ولا نستظل به من الشمس.(1/179)
وعن خادمه سليم [قال]: كنت أتبعه حين ينام الناس بالمصابيح إلى بيت صغير يأوي إليه فيصرفني فاحتبست ليلة [35ب]لأنظر ما يصنع، فسهر [عليه السلام] الليل كله ركوعاً وسجوداً، وكنت أسمع وقع دمعه، فسمع في الصبح حسي وقال: عجلت، فقلت: لم أبرح الليلة، فاشتد عليه وحرج علي أن لا أحدث به أحداً، فما حدثت به إلا بعد وفاته في أيام المرتضى.
وعن أبي الحسين الهمذاني وكان شافعياً يجمع بين العلم والتجارة قال: قصدت (اليمن) بتجارة لأرى يحيى بن الحسين لما كان يتصل بي من أخباره، فلما جئت (صعدة) قلت لمن لقيته: كيف أصل إليه وبمن أتوصل؟
قال: الأمر أهون مما تقدره، تراه الساعة إذا دخلت الجامع للصلاة بالناس فإنه يصلي بهم الصلوات كلها، فصليت خلفه ولما فرغ تأملته فمشى إلى مرضى في ناحية المسجد فعادهم وتفقد أحوالهم، ثم مشى في السوق وأنا أتبعه، فغير شيئاً أنكره ووعظ قوماً وزجرهم عن بعض المنكر، ثم عاد إلى مجلسه بداره، فسلمت عليه فرحب بي وأجلسني وسألني عن حالي ومقدمي فعرفته بورودي للتبرك به وعرفني من أهل العلم فأنس بي وكان يكرمني إذا دخلت، فجلس يوماً للمظالم، فشاهدت هيبة عظيمة ورأيت الأمراء والقواد وقوفاً بين يديه على مراتبهم وهو ينظر في القصص ويسمع الظلامات ويفصل الأمور فبهرتني هيبته.
وادعى رجلاً شيئاً فأنكره المدعى عليه فأتى بالبينة، فحلف الشهود احتياطاً فلما تفرق الناس، قلت: أيها الإمام حلفت الشهود.
قال: رأيي تحليفهم احتياطاً عند التهمة، وهو قول طاووس من التابعين والله يقول: ?فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا?[المائدة:107] فاستفدت من تلك الحال مذهبه، ومن قال به من التابعين والدلالة عليه ولم أكن عرفته قبلها، وأنفذ إليّ يوماً يقول: إن كان في مالك زكاة فأخرجه إلينا؛ فقلت: سمعاً وطاعة وأخرجت عشرة دنانير فاستدعاني بعد ذلك في يوم العطاء والمال يوزن ويخرج إلى الناس.(1/180)
فقال: أحضرتك لتشهد إخراج زكاتك إلى المستحقين.
فقلت: الله الله أيها الإمام، كأني مرتاب بفعلك، فتبسم وقال: ما ذهبت إلى ما ظننت ولكن أردت أن تشهد إخراجها، وقلت له: رأيتك وأنت تطوف على المرضى في المسجد وتمشي في السوق.
فقال: هكذا آبائي يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وأنت إنما عهدت الجبابرة [36أ]، وكان شديد التفقد لأحوال المسلمين منصفاً للمظلومين.
قال صاحب سيرته: رأيته ليلة وقد جاء رجل ضعيف إلى المسجد يستعدي على قوم فدق الباب؛ فقال: من ذا يدق الباب في هذا الوقت؟
فقيل: رجل يستعدي.
فقال: أدخله، فاستعدى فوجه معه ثلاثة يحضرون خصماءه وقال: الحمد لله الذي خصنا من نعمه وجعلنا رحمة على خلقه، هذا رجل يستعدي في هذا الوقت، لو كان واحداً من هؤلاء الظلمة ما دنا إلى بابه في هذا الوقت مستعدٍ، ثم قال: ليس الإمام من احتجب عن الضعيف في وقت حاجة مُلظَّة. ودخل علي بن العباس عليه سحراً والشموع بين يديه وقد تسلح لقتال (القرامطة) وقد هجموا بجموعهم قضهم بقضيضهم؛ فرأيته مطرقاً فقلت: يظفرك الله بهم ويكفيكهم.
فقال: لست أفكر فيهم فإني أود أن لي يوماً كيوم زيد بن علي ولكن بلغني عن فلان -وذكر بعض الطالبية- كذا وكذا من المنكر فغمني.
قلت: ما أحقه عليه السلام بقول الحماسي:
شوس الرجال خضوع الحرب للطالي
لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
إذا احتبى وابتدا بالسيف دان له
كأنما الطير منهم فوق هامهم
وما أحقه بقول الفرزدق في علي بن الحسين [عليه السلام]:
فما يكلم إلا حين يبتسم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته(1/181)