قال: فلما وردت (الكوفة) فعلت ما أمرني، فلما غربت الشمس إذا به يسوق الجمل وهو كما وصف أبي؛ فقمت فعانقته فذعر مني فقلت: [33ب]يا عم، أنا يحيى بن الحسين بن أخيك، فضمني وبكى حتى قلت: قد جاءت نفسه، فأناخ جمله فجلس معي وجعل يسألني عن أهله وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني، أنا أستقي على هذا الجمل فأصرف ما أكتسبه أجرة الجمل إلى صاحبه وأتقوت بباقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء، فأخرج إلى البرية فألتقط ما يرمي به الناس من البقول فأتقوت به، وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته فهي لا تعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتاً فنشأت وبلغت وهي أيضاً لا تعرفني ولا تدري من أنا؛ فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء - لرجل من جيراننا- فإنه أيسر منا وقد خطبها وألّحت عليَّ فلم أقدر على إخبارها على أن ذلك غير جائز ولا هو بكفء منها فيشيع خبري، فجعلت تلح عليَّ؛ فلم أزل أستكفي الله أمرها حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني آسياً على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال: ثم أقسم عليَّ أن أنصرف.
فانظر إلى هذه النفوس الكريمة كيف أعرضت عن طيب العيش وطلبت لذة الإخبات ولم تلههم الدنيا بزهرتها، بل بعدوا أنفسهم عن نظرتها، فلله تلك النفوس المطمئنة وما أكرم نزلهم في غرف الجنة.(1/172)
[(24) الإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن]
( … - نحو 180 هـ / … - نحو 796 م)
وأما الإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام.
فكان أعلى الناس في الزهد والعبادة مقاماً، وهو من أصحاب الحسين الفخي [عليه السلام] وخاله وله معه مقامات محمودة.
وصل إلى (صنعاء) وأخذ عن علمائها علماً كثيراً، ثم دخل بلاد (الحبشة) ثم بلاد (الترك) فأكرمه ملكها وأسلم على يديه وبث دعوته في الآفاق ولما بلغ خبره الرشيد العباسي خاف وقطع شرب الخمر ولبس الصوف وافترش اللبود وتحلى بغير عادته لما علا صيت يحيى بن عبد الله، وانتشر صلاحه وزهده وفضله وعلمه، وكان من جملة من بايعه محمد بن إدريس الشافعي وغيره من علماء ذلك العصر.
ولما ظهر فضله جهز هارون إليه الفضل بن يحيى وأمره أن يبذل له من الأموال والإقطاع ما لا يحصى، وأن ينزله من البلاد حيث شاء، وكتب إليه كتاباً أجابه فيه الإمام يحيى بن عبد الله؛ فقال: أما بعد، فقد فهمت كتابك وما عرضت عليّ فيه من الأمان، على أن تبذل لي أموال المسلمين وتقطعني ضياعهم التي جعل الله لهم دوني ودونك ولم يجعل لنا فيها [34أ]نقيراً ولا فتيلاً، فاستعظمت الاستماع له فضلاً عن الركون إليه، واستوحشت منه تنزهاً عن قبوله، فاحبس عني أيها الإنسان مالك وأقطاعك، ثم ذكر عليه السلام ما فعلوه مع أهل بيته من القتل والأسر وطول الكلام بما يبهر الناظرين، حتى قال آخر كتابه: أفأبيع خطري بمالكم وشرف موقفي بدراهمكم وألبس العار والشنآن بمقامكم؛ لقد ظللت إذن وما أنا من المهتدين، والله ما أكلي إلا الجشب ولا لباسي إلا الخشن ولا شعاري إلا الدرع ولا صاحبي إلا السيف ولا فراشي إلا الأرض ولا شهوتي من الدنيا إلا لقاؤكم، والرغبة في مجاهدتكم ولو موقعاً واحداً لانتظار إحدى الحسنين في ذلك كله من ظفرٍ أو شهادةٍ.(1/173)
ثم قتله هارون بعد الأمان بعد أن جمع الفقهاء وفيهم محمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو البحتري وهب بن وهب فخرج إليهم مسروراً الخادم بالأمان، فبدأ بمحمد بن الحسن وقال: أينتقض هذا؟
فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة في نقضه، ومن نقضه فعليه لعنة الله، فشجه الرشيد بدواة. وقال وهب أبو البحتري: هو منتقض قد شق العصا فاقتله، وشق كتاب الأمان بيده حباً للدنيا واتباعاً للهوى؛ فولاه القضاء ومنع محمد بن الحسن الفتيا زماناً.(1/174)
[(25) الإمام إدريس بن عبد الله (ع)]
( … - 177 هـ / … - 793 م)
وأما الإمام الزاهد إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام.
فكان من أصحاب الحسين الفخي [عليه السلام]؛ قاتل معه وأصابته جراحة، ودعا ببلاد الغرب وأجابه خلق كثير، ولما خافه هارون قتل بالسم؛ وله في الزهد والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ما هو أشهر من النهار وأوضح من الشموس والأقمار.(1/175)
[(26) الإمام محمد بن إبراهيم بن إسماعيل(ع)]
( 173 - 199 هـ / 789 - 815 م)
وأما الإمام الصوام القوام محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن عليهم السلام .
فكان أعظم الناس حرصاً على إغاثة الفقير والمسكين، وأولاهم بسيرة سيد الوصيين. ومن أسباب دعوته أنه رأى بظاهر (الكوفة) عجوزاً تتبع أحمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها رث، فسألها عن ذلك فقالت: إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي ولي بنيات لا يَغْدُنَّ على أنفسهن بشيء، فأنا أتبع مثل هذا من الطريق فأتقوته أنا وولدي؛ فبكى كثيراً وقال: أنت والله وأشباهك [34ب] تخرجونني غداً حتى يسفك دمي، ونفذت بصيرته في الخروج حين رأى استيلاء الظالمين على حقوق الفقراء والمساكين.(1/176)