وروى ولده المرتضى أنه -عليه السلام-، بلغ من العلم مبلغاً يختار ويصنف وله سبع عشرة سنة، ومصنفاته مشهورة في كل فن مثل كتاب (الأحكام) و(المنتخب) و(الفنون) وكتاب (المسائل) وكتاب (محمد بن سعيد) وكتاب (الرضاع) وكتاب (المزراعة) وكتاب (أمهات الأولاد) وكتاب (الولاء) وكتاب (القياس) وفي التوحيد كتب جليلة القدر، نحو كتاب (التوحيد) وكتاب (المسترشد) وكتاب (الرد على أهل الزيغ) وكتاب (الإرادة والمشيئة) وكتاب (الرد على ابن الحنفية في الكلام على الجبرية) وكتاب (بوار القرامطة) وكتاب (أصول الدين) وكتاب (الإمامة) و(إثبات النبوة والوصية) وكتاب (الرد على الإمامية) وكتاب (البالغ المدرك) وهو قطعة لطيفة فيها كلامه كأنه الروض ملاحة، والسحر لطافة ورقة وكتاب (تفسير خطايا الأنبياء -عليهم السلام-) وكتاب (الرد على ابن جرير) وكتاب (تفسير ستة أجزاء) و(معاني القرآن) سبعة أجزاء، وكتاب (الفوائد) جزءان، وكتب سوى ذلك كثيرة ما يقرب من عشرين كتاباً.
قال الفقيه حميد: وهي ظاهرة قال: وله الحكايات العجيبة في هذا المعنى.
قال الإمام المنصور: إنه لما افتتح صنعاء وافق علماء المجبرة فأرادوا مراجعته، فقالوا: ما تقول يا سيدنا في المعاصي؟ فقال: ومن العاصي؟ فبقوا متحيرين في الفكر إن قالوا: العاصي الباري كفروا، وإن قالوا: العاصي [من] المخلوقين وافقوا كلام الهادي –عليه السلام-، فلما لم يجدوا جواباً دخلوا في مذهبه المنور بتسعة أحرف حكى ذلك في (أنوار اليقين).(1/386)
وروى السيد أبو طالب عن علي بن العباس الحسني : أنه سمع أبا بكر بن يعقوب عالم أهل الري وحافظهم حين ورد عليه اليمن، يقول : قد ضل فكري في هذا الرجل يعني الهادي فإني كنت لا أعترف لأحد بمثل حفظي لأصول أصحابنا، وأنا الآن إلى جنبه جذع بينا [أنا] أجاريه في الفقه وأحكي عن أصحابنا قولاً، فيقول : ليس هذا -يا أبا بكر- قولكم، فأرادده فيخرج إليَّ المسألة من كتبنا على ما حكى وادعى، فقد صرت إذا ادعى شيئاً عنَّا أو عن غيرنا لا أطلب منه أثراً إلى غير ذلك من شهرة علمه ومذهبه، -عليه السلام-.(1/387)
فصل: في ذكر زهده وورعه
كان -عليه السلام- في الورع، والزهد، والعبادة إلى حدٍّ تقصر العبارة دونه،وظهور ذلك يغني عن تكلُّف بيانه، إلا أنَّا نحكي قليلاً من كثير، فنوء الماطر يشير إلى الغيث الغزير.
روى مصنف سيرته عن من سمعه يقول: والله الذي لا إله إلاهو ما أكلت مما جبيت من اليمن شيئاً، ولا شربت منه الماء، وروى عن من سمعه يقول : إلا من شيء جئت به من الحجاز وهذا ورع شحيح؛ لأنه تعفف عن الحلال إذ كان يحوز له أن يتناول من الجزية وأخماس الغنائم.
وروي عن ابنه محمد قال: وجهت غلاماً لي إلى [أبي] يحيى بن الحسين أطلب منه قرطاساً أكتب فيه كتاباً، فقال يحيى: القرطاس لا يحل له، فدفع إلى الغلام ورقة قطن.
وروي أيضاً، عن بعضهم أنه -عليه السلام- قال له: اشتر لي قرطاساً على حدة مما يحل لي الكتب فيه، فاشترى له.
وروى مصنف سيرته، عن عبيد الله بن حبيب وكان يقوم للهادي بأمره قال: قال لي يحيى بن الحسين -عليه السلام-: اشترِ لي تبناً أعلفه دوابي، قال: فقلت له: ليس نجد إلا تبن الأعشار، فقال: لا تشترِ لنا منه شيئاً وأنت تقدر على غيره.(1/388)
قال عبيد الله: فلم أجد غيره، فأمرت بعض الغلمان ممن يقوم على الخيل يأخذ منه كيلاً معروفاً حتى نشتري ونرد ما أخذنا، فعلم يحيى بن الحسين، فوجه إلى عبيد الله فكلمه بكلام غليظ، فقال [له] عبيد الله: أنا آخذ منه كيلاً معروفاً حتى نرد مكانه، فقال: لست أريد منه شيئاً، مالنا وللعشر خذوا هذا التبن، فاعزلوه حتى يعلفه من يحل له، ولم يعلف منه خيله تلك الليلة شيئاً، وأمر أن يطرح للخيل قصب بلا تبن ليلتين، ثم قال: اللهم، إني أشهدك أني قد أخرجت هذا من عنقي، وجعلته في أعناقهم.
وروي أنه صاح بغلام له، فسأله عن خرقة؟ فقال له الغلام: قد رقَّعتها فقال للغلام: أخرجها إليَّ، فأخرجها من بين ثياب يحيى بن الحسين –عليه السلام-، وقال له: ويلك!! أنت قليل دين تضع خرقة من الأعشار بين ثيابي! ودخل يوماً وقد تطهرَّ للصلاة، فأخذ خرقة فمسح بها وجهه، ثم قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون هذه الخرقة من العشر، فذكرت له ذلك، فقال: ما يحل لنا أن نمسح به وجوهنا، ولا أن نستظل به من الشمس وكان صوَّاماً قوَّاماً، يصوم أكثر أيامه، ويحيى أكثر لياليه تهجداً وصلاة.(1/389)
روى السيد أبو طالب، عن سليم، وكان يخدم الهادي في داره قال: كنت أتبعه -حين يأخذ الناس فرشهم- في أكثر الليالي بالمصباح إلى بيت صغير في داره كان يأوي إليه، فإذا دخله صرفني فأنصرف، فهجس [ليلة بقلبي أني] أحتبس [على باب البيت] أنظر ما يصنع، قال: فسهر -عليه السلام- ركوعاً وسجوداً وكنت أسمع وقع دموعه ونشيجاً في حلقه، فلما كان الصبح قمت، فسمع حسي، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: سليم، ما عجل بك في غير حينك؟
قلت : ما برحت البارحة جعلت فداك، قال: فرأيته اشتد عليه ذلك، وحرج عليَّ [على] أن لا أحدِّث به في حياته أحداً، فما حدَّث به سليم إلا بعد وفاة الهادي –عليه السلام-.(1/390)