نعم الظاهر أن الإمام محمد بن إبراهيم مات كما تقدم.
و ذكره أيضاً في (شرح العيون) للحاكم، و(الحدائق) للفقيه حميد، وأشار الإمام المهدي في (البحر) و في قصيدته القافية التي عدد فيها الأئمة إلى أنه قتل.
وأما الطبري في تأريخه فذكر أنه مات فجأة، قال: فقيل إن أبا السرايا سمه، والله أعلم أي ذلك كان.
وأما الحسن بن سهل المشار إليه في المنظومة فهو: السرخسي وزير المأمون بعد أخيه الفضل بن سهل فإنه كان حظياً عند المأمون، وزوَّجه ابنته بوران، وقصتها في زواجة المأمون مشهورة قال : إن المأمون خرج يوماً فتبعه الحسن بن سهل، فقال له: ألك حاجة؟ فقال : نعم، تحفظ عليَّ من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك، ولم يزل له وزيراً حتى ثارت السودا عليه، وسببها طول حزنه على أخيه الفضل، فإن المأمون قتله في قصة مشهورة.(1/336)


[الإمام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن - عليه السلام -]
ومس منها بلا جرم ولا سبب.... محمد ين عظيم الخوف والضررِ
لعل السيد صارم الدين عنى بالمحمدين هنا محمد بن محمد بن زيد، ومحمد بن جعفر بن محمد المقدم ذكرهما في ذكر من شايع محمد بن إبراهيم من أعيان العترة، ويحتمل وهو الأظهر أنه عنى محمد بن جعفر هذا، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن، فإن الإمام المهدي عدَّ هذين في (البحر) في جملة من قام ودعا فدعوة محمد بن سليمان كانت في المدينة، فوثب عليه [ابن] الأفطس الحسن بن الحسن، فقاتله فأبلي واجتهد، وكان محمد بن سليمان رجلاً فاضلاً، ناسكاً، فخذله أعوانه بعد أن أظهر رايته، وقاتل أعداءه، وضبط المدينة، ثم مات بعد ذلك، وهو ابن ستين سنة.
قلت: وهذا الاحتمال الأخير أشبه؛ لأن قول السيد صارم الدين: بلا جرم ولا سبب، [و] عظيم الخوف والضرر، يصلح في حق محمد بن سليمان كونهم ذكروا أنه توارى، والتواري فزع الخوف.
وأما محمد بن محمد، ومحمد بن جعفر فلم يتفق عليهما ما أتفق عليه، بل بلغا في النكاية للعدو والظهور على الخصم ما قد عرفته، فذلك لا يناسب أن يكونا مراد السيد، والله أعلم.
وكان دعوة محمد بن سليمان في نيف وثمانين، ومشهده بالمدينة.(1/337)


[الإمام محمد بن جعفر بن محمد - عليه السلام -]
ومحمد بن جعفر مات بجرجان، ومشهده بها، ولم يعدَّه الحاكم في الأئمة، لكنه تسمى بأمير المؤمنين.
قال الإمام المنصور بالله: إن سبب قيامه أن رجلاً في تلك المدة صنفَّ كتاباً يسبُّ فيه أهل البيت إلى أن اتصل بفاطمة -عليها السلام- فنال منها، فجاء الطالبيون[بالكتاب] إلى محمد بن جعفر عليه السلام فقرأوه عليه، و[قد] كانوا يطلبون منه القيام قبل ذلك فلم يساعد، فلما سمع ذلك لم يرد عليهم جواباً دون دخول منزله، فلبس الدرع، وتقلد السيف، وخرج إليهم، وهو يقول:
لم أكن من جناتها علم اللـ.... ـه وإني لحرها اليوم صالي
وبايعه من وجوه الطالبيين ورجالهم وفضلائهم[منهم] : الحسين بن الحسن بن الأفطس، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي [-عليهم السلام-] ومحمد بن الحسن المعروف بالسباق وعلي بن الحسين بن عيسى بن زيد وعلي بن جعفر بن محمد فبسط يده، فبايعوه، وخاطبوه بأمير المؤمنين، ولم يخاطب بها قبله من أهله إلا علي، والحسن بن علي -عليهما السلام-.
ومن بعدهما يخاطب بالإمام عموماً، ويخاطبه الخواص بأمير المؤمنين، وكان فاضلاً، عابداً، شجاعاً، سخياً عالماً، جمع خصال الكمال.
وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وما علم أنه خرج برداء و رجع به [مدة] حياته، بل يتصدق به أو يهبه.
وروى الحديث، وروى عنه طائفة من نقلة العلم، مثل: محمد بن أبي عمرو وموسى بن سلمة وإسحاق بن موسى الأنصاري واستولى على المدينة ومكة[حرسهما الله تعالى].(1/338)


قال يحيى بن الحسين : سمعت مؤملاً يقول: رأيت محمد بن جعفر يخرج [في مكة إلى الصلاة] في ثلاثمائة رجل من الجارودية، [و] الزيدية عليهم ثياب الصوف، وسيماء الخير فيهم ظاهر وكان القائم بحربه هارون بن المسيب فهزموه مراراً وقتلوا من عسكر هارون هذا مقتلة عظيمة.
وله بعد ذلك وقعات بينه وبين الجنود العباسية،كانت اليد له فيها على أعدائه، وبعد ذلك تكاثفت عليه الجنود؛ فالتجأ إلى جبل في الحجاز[يقال له: ثبير] وأقام الحرب على ساق، وسألوه الهدنة، فلم يساعد إلى ذلك إلى أن عظم الخطب عليه، وحصر أصحابه واضطروا، وافترقوا عنه، فنزل على القوم فأمَّنوه وتقدم إلى خراسان، فلقيه المأمون بالإنصاف، وكان يركب في ثمانين فارساً من العلويين، فخرج توقيع المأمون لا تركبوا مع محمد بن جعفر، واركبوا مع من شئتم من الطالبيين، فقالوا: لا نركب إلا مع محمد بن جعفر، ولكنَّا نلزم منازلنا.
فأمر المأمون [أن] اركبوا مع من شئتم، فكانوا يركبون معه حافين به، فدسَّ عليه المأمون سماً فقتله.
فلما خرج بجنازته، وثب المأمون فوقع بين العمودين يحمل، فقال له الناس:نكفيك يا أمير المؤمنين، قال لهم: هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة.
ولما وصل قبره نزل فيه وسَّواه في لحده، فلما طلع قال ولده إسماعيل وأخوه: ما ترى نكلمه في دين أبينا، وما نجده أقرب من هذه الساعة؟ فابتدأهما، فقال: كم خلف أبو عبد الله من الدين؟ قالا: خمسة وعشرين ألف مثقال فقال: قد قضى الله دينه، وصكَّ بها إلى الأهواز[أرزاً] وقبضا الآرز فغلي في أسبوع واحد، فباعاه بخمسين ألف مثقال.(1/339)


[الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي - عليه السلام -].
وترجمان الهدى والدين قاسمنا.... أجل معتصم بالدين مشتهرِ
خليفة بركات فيه ظاهرة.... كأنها بركات إلياس والخضرِ
لما دعاها إلى التقوى وما نظرت.... منه العيون إلى عيش لها نضرِ
أشلت عليه كلاباً لا مرا قبة.... الاً فهاجرها واعتاض بالهجرِ
هو: أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل، فرع دوحة بسقت في أرض الفخار، ونور زيتونة تتوقد لذوي الأبصار، ما في آبائه إلا من فاق وراق، وانتشر فضله في الآفاق، وقد تقدم ذكر آبائه.
فأما أمه فهي: هند ابنة عبد الملك من ذرية سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي.
روى الإمام المنصور بالله عن آبائه: أن شيخاً من شيوخ آل الحسن بن علي كان يدرس عليه فتيان آل الحسن، فكانوا إذا جاءوه قَام في وجوههم وعظمهم، فأقسموا عليه لا فعل، وكان القاسم من شباب أهل ذلك العصر، وكان إذا جاء قام في وجهه وعظمه.
فقالوا له: أيها السيد، قد عذرناك، وهذا الفتى لك أعذر، فقال: لو تعلمون من حقه ما أعلم لاستصغرتم ما أفعل في حقه.
فقالوا له: وما تعلم؟ فقال: هذا الفتى قال فيه رسول الله ً: ((يخرج من ذريتي [رجل] مسروق الرباعيتين لو كان بعدي نبي لكان إياه)). وفيه يقول الشاعر:
ولو أنه نادى المنادي بمكة.... وبطن منى فيمن تضم المواسم
من السيد السباق في كل غاية.... لقال جميع الناس لا شك قاسم
إمام من ابناء الأئمة قدَّمت.... له الشرف المعروف والمجد هاشم
أبوه علي ذو الفضائل والنهى.... وآباؤه والأمهات الفواطم
بنات رسول الله أكرم نسوة.... على الأرض والآباء شم خضارم(1/340)

68 / 205
ع
En
A+
A-