فصل نذكر فيه طرفاً من كرامات زيد[بن علي] -عليه السلام-
التي اتفقت له في حال صلبه، ونذكر فيه جماعة ممن صلب في الإسلام، فمن ذلك أن العنكبوت كانت تنسج على عورته ليلاً، فكانوا إذا أصبحوا هتكوا نسجها بالرماح ومنها أن امرأة مؤمنة خرجت فطرحت عليه خمارها فالتاثت بمشيئة الله سبحانه فصعدوا فحلوه، فاسترخت سرته حتى غطت عورته ورأيت في بعض الكتب أنه قتل مع زيد[بن علي] رجل من عدوه فصلبوه مع من صلبوا من شيعته -عليه السلام-، فكان بعض عقلاء المجانين يأتي كل صباح يسلم على زيد وأصحابه، ويترحم عليهم، فإذا وصل إلى خشبة ذلك الرجل، قال: أما أنت -يا هذا- فإن شعر عانتك تخبرني أنك لست من القوم، وإنما أخذت بغير ما أخذوا به؛ لأنهم –رحمهم الله- قد كانوا استحدوا قبل حضور الوقعة، فيتعجب الناس من قوله.(1/281)
[ذكر جماعة ممن صلب في الإسلام]
قيل: إن أول من صلب في الإسلام عقبة بن أبي معيط قتله رسول الله ً [ثم] أمر بصلبه، ومنهم: خُبيب بن عدي، وابن الدثنة الأنصاري أسرتهما هذيل يوم الرجيع ولهما حديث طويل، ثم صلبوهما، وعقبة بن خثيم بن هلال [النمري] صلبه خالد بن الوليد، وهاني بن عروة المرادي ومسلم بن عقيل بن أبي طالب صلبهما عبيد الله بن زياد بسوق الكوفة، وعبد الله بن الزبير صلبه الحجاج بمكة منكوساً، وقال: لا أنزله حتى تشفع فيه أمه أسماء بنت أبي بكر فلم تتكلم فيه، فيقال: إنه بقي مصلوباً سنة، فمرت به بعد ذلك، فقالت: أما آن لراكب هذه المطية أن يترجل؟ فأنزل، ويقال: إنه أتي إليها بأسلابه فوضعتها في حجرها؛ فحاضت وجرى اللبن في ثديها، فقالت: حنت إليه مواضعه، ودرَّت عليه مراضعه، ومنهم: يزيد بن المهلب بن أبي صفرة صلبه مسلمة بن عبد الملك وعلق معه خنزيراً وزقَ خمر، ومنهم: الإمام الولي زيد بن علي -عليهما السلام- بقي مصلوباً أربعة أعوام.
هذه رواها بعض أهل التواريخ، وهو الذي نقلت منه تعداد المصلوبين، وأما في (الحدائق الوردية) فقال: إنه مكث مصلوباً سنة وشهوراً، وقيل: أياماً، وقيل: سنتين، قال: ذكر ذلك السيد أبو طالب.(1/282)
قال: وفي المرشد يرفعه إلى رجاله أنه مكث إلى أيام الوليد بن يزيد وهذه الرواية توافق القول الأول نعم. ولما أنزلوه من الخشبة أحرقوه بالنار، ثم حمل رماده فذري في الفرات، فمكَّن الله وزير آل محمد أبا حفص الخلال من صلب هشام وضربه وتحريقه، وذلك أنه لما مات طلوه بالصبر كي لا يبلى فوجدوه بعد ما نبشوه مثل ما دفن.
قال بعض شعراء المنصور بالله عبد الله بن حمزة في كلمة يمدحه بها:
وكم صون جسم كان فيه هلاكه.... كما صين بالتصبير جسم هشام
هكذا في (الحدائق) وقال المسعودي في (مروج الذهب): إن عمر بن هاني الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي [عم السفاح والمنصور] حتى انتهينا إلى قبر هشام، فاستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا خرمة أنفه، فضربه عبدالله[بن علي] ثمانين سوطاً، ثم أحرقه، ثم استخرجنا سليمان بن عبدالملك[من أرض دابق] فلم نجد منه[شيئاً] إلا صلبه وأضلاعه، ورأسه، فأحرقناه، وفعلنا كذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، وحفرنا عن عبد الملك فما وجدنا منه [إلا شؤن رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا فيه] إلا عظماً واحداً، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده، ثم تتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا [فيها] منهم.
قال: وكان سبب فعل عبد الله هذا ببني أمية ما فعله هشام بزيد بن علي -عليهما السلام- فانتصر لبني عمه، انتهى.(1/283)
وممن صلب: الإمام يحيى بن زيد -عليهما السلام- في أيام الوليد بن يزيد بالجوزجان، ولم يزل مصلوباً إلى أن جاء أبو مسلم الخراساني، فأنزله وواراه، وصلى عليه، [وأخذ كل من خرج] إلى قتاله بعد أن تصفح الديوان، فقتل من كان في بعثه إلا من أعجزه، وسَّود أهل خراسان ثيابهم إذ ذلك فصار شعاراً لبني العباس، وأمر أبو مسلم بإقامة المأتم في بلخ ومرو سبعة أيام، وناح عليه النساء، وكان من ولد في تلك السنة من أولاد الأعيان سموه يحيى، وممن صلب: خالد بن عبد الله القسري صلبه مروان الحمار، ومنهم: جعفر بن يحيى البرمكي صلبه هارون، وقطعه ثلاث قطع، ثم أحرقه، ومنهم: الوزير محمد بن بقية صلبه عضد الدولة، فرثاه أبو الحسين محمد بن يعقوب الأنباري بترثية ما قيل مثلها في بابها، أولها:
علو في الحياة وفي الممات.... لحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا.... وفود نداك أيام الصِلات
كأنك قائم فيهم خطيباً.... وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفالاً.... كذلك كنت أيام الحياة
[حتى قال] :
ركبت مطية من قبل زيد.... علاها في السنين الماضيات
وهي مشهورة، يقال: إن الشاعر هذا كتبها نسخاً، ورماها في شوارع بغداد، فتداولها الأدباء حتى بلغت عضد الدولة بن بويه؛ فتمنى أنه المصلوب، وطلب الأنباري سنة، واتصل الخبر بالصاحب الكافي فكتب له الأمان، فلما سمع الأنباري بالأمان قصد حضرة الصاحب، فقال له الصاحب: أنت القائل الأبيات؟ فأقر له وأنشده إياها، فلما بلغ:
فلم أر قبل جذعك قط جذعاً.... تمكن من عناق المكرمات(1/284)
فقام الصاحب فعانقه وقبَّل فاه، وأنفذه إلى العضد، فقال: ما حملك على مرثية عدوي؟ فقال: حقوق سبقت، وأيادٍ مضت؛ فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فعفا عنه، وأعطاه فرساً وبدرة، ومنهم الفقيه الأديب: عمارة بن علي اليمني صلبه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سابع سبعة من أعيان مصر، والقصة مشهورة، ومما رثي به الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي -عليهم السلام-،قول الأنباري :
أبا الحسين أثار فقدك لوعة.... من يلق ما لاقيت منها يكمد
فعرى السهاد ولو سواك رمت به.... الأقدار حيث رمت به لم يسهد
[فعبرت بعدك كالسليم وتارة.... أحكي إذا أمسيت فعل الأرمد]
ونقول: لا تبعد وبعدك ذاوياً.... وكذاك من يلق المنية يبعد
كنت المؤمل للعظائم والذي.... يرجى لأمر الأمة المتأود
فقتلت حين نضلت كل مناضل.... وصعدت في العلياء كل مصعد
وطلبت غاية سابقين فنلتها.... بالله في سنَنَ كريم المورد
وأبى إلهك أن تموت ولم تسر.... فيهم بسيرة صادق مستنجد
والقتل في ذات الإله سجية.... منكم وأخذ بالفعال الأمجد
والوحش آمنة وآل محمد.... ما بين مقتول وبين مطرد
[نصباً إذا ألقى الظلام ستوره.... رقد الحمام وليله لم يرقد]
ياليت شعري والخطوب كثيرة.... الأسباب موردها وما لم يورد
ما حجة المستبشرين بقتله.... بالأمس أوما عذر أهل المسجد(1/285)