أزدمر في صعدة أشهراً بعد أن ولىَّ فيها وفي جهات خولان، وكان للسيد أحمد بن الحسين بعض واجباتها على قواعد مقررة، ثم ارتحل إلى صنعاء، وبعد مدة حصل بين السيد شمس الدين و[بين] الأمير سكندر حرب، سببه أن الأمير سكندر نقض العهد الذي كان بين السيد وبين الباشا أزدمر، وكان السيد أحمد بن الحسين بيسنم فتقدم إلى الهجرة وقصده الأمير سكندر بثلاث محاط في الخطم واحدة، وفي العيناء واحدة، وفي عَرْو الثالثة، فقصد محطة العيناء، فهزمهم، وقتل من قتل منهم، وقصد صاحب الخطم [فهزم محطته] وقتل من قتل أيضاً من أصحابه وغنم أثقالهم، وخرج الأمير سكندر وحط في (العيناء) وبعد استقراره في العيناء أياماً يسيرة والسيد يومئذٍ في الهجرة وصل الإمام بخيل واسعة من الشام، وجموع كثيرة، فارتحل الأمير سكندر إلى صعدة، والإمام تقدم إلى الهجرة، ووقع بينه وبين عينه من أصحاب الأمير سكندر وقعة هزمهم فيها إلى حول صعدة، ورجع الإمام إلى الهجرة ولبث فيها أياماً، ثم إن الأمير سكندر خرج إلى الحظائر ووقعت بينه وبين السيد شمس الدين أحمد بن الحسين وقعة هنالك عظيمة، ولما كانت ليلة ثاني الوقعة انهزم إلى صعدة، ثم بلغ الإمام الخبر أنه قد توجه إلى الشام أميران من الأتراك بعساكر واسعة، وقد كان بينه وبين السيد الصدر الصمصام، فخر الدين: المطهر بن الإمام شرف الدين معاهدة على أنه يمنع من أراد وصول جهات صعدة من الأتراك، فلم يقدر المطهر على منعهم، فلما صح له وصول العساكر المذكورة، وأنه انضاف إليهم الأمير ناصر [وأصحابه] وارتحل إلى الحرجة، والسيد أحمد بن الحسين عزم إلى(3/196)


المطهر، ثم تقدم الأتراك إلى صعدة وبلادها وملكوا جميع جهات خولان وغيرها، ورئيسهم يومئذٍ الأمير سكندر، وبعد مدة تولى الأمير بهرام صعدة وبلادها، وجهز محطة إلى [جهات] ظهران، فارتحل الإمام إلى الواديين بعد أن ارتحل أهل الحرجة عنها، ولبث هنالك مدة إلى أن صارت البلاد بيد ولد أخيه السيد شمس الدين أحمد بن الحسين بن عز الدين، فلما تملكها السيد المذكور تقدم الإمام إلى جهة يسنم، وأقام بها بقية عمره- عليه السلام-، وقبره هناك مشهور مزور، وأراد ولده السيد عز الدين وصنوه السيد صلاح الدين المهدي بن عز الدين نقله من تلك الجهة إلى الهجرة المقدسة، وامتنع آل أبي الخطاب قاصدين التبرك به والوسيلة إلى الله فساعدهم ولده وصنوه على ذلك بعد أن جعلوا له نذوراً واسعة في جميع جهات يسنم، واستمرت إلى الآن، وهجَّروا مكانه، وجعل عليهم ولده تأكيدات في ذلك وتشديدات، وعمر عليه قبة عظيمة هنالك، وهو مشهور الفضل- عليه السلام- عند جميع الأنام، وكانت وفاته في شهر القعدة سنة ثمان وثمانين وتسعمائة ومدة عمره ثلاث وسبعون، منها أيام خلافته، وله من الأولاد السيد المقام الأفضل، الأعبد، الأزهد: عز الدين محمد بن أمير المؤمنين، وأم الإمام -عليه السلام- هي الشريفة المطهرة تاجة بنت محمد بن المهدي من أولاد الأمير المؤيد.(3/197)


[طرف من سيرة السيد أحمد بن الحسين بن عز الدين]
ولنذكر طرفاً من سيرة السيد المقام، الصدر الرئيس الفهام، شمس الدين: أحمد بن الحسين بن عز الدين بن أمير ا لمؤمنين الحسن بن أميرالمؤمنين -عليه السلام-، فنقول: قد تقدم في أثناء سيرة الإمام أحمد بن عز الدين ما فيه كفاية في الدلالة على رئاسته وشجاعته، وحسن شمائله، وقد ذكرنا أنه تقدم إلى السيد فخر الدين المطهر بن [الإمام] شرف الدين ولبث عنده في الحصن المسمى الجاهلي مدة تقرب من اثني عشرة سنة، وقابله المطهر هو وسائر من لديه بغاية الإنصاف والرعاية والإتحاف، وقام به وبجميع من لزم به من إخوانه، وخواصه وعساكره هذه المدة، وفي سنة أربع وسبعين عزم من الجاهلي إلى جهات خولان وتقدم إلى عَرْو، وحصل بينه وبين أمير صعدة من الأتراك يومئذٍ وهو الأمير علي وقعة كبيرة بعَرْو، كانت الدائرة فيها على الأتراك، واستقوت شوكته من تلك الوقعة؛ لأنه غنم غنائم جمة من الخيول، والبنادق، وجميع الأموال، ولبث في عَرْو أياماً، ثم التقى هو والأمير عز الدين محمد بن ناصر الحمزي في النهود من صعيد صعدة، واتحد حالهما، وتقدما على صعدة فحاصراها في المشهد قدر شهرين، وافتتحوها عنوة، وبقى أمير صعدة في المنصورة شهراً وأياماً، ثم خرج بأمانٍ منهما، وكانت طريقه إلى الجوف، ثم إلى صنعاء، واستمرسكناهما بصعدة حول خمس سنين وحصل بينهما مالا تطيب به النفوس، فخرج السيد إلى ساقين، وأقام بها قدر شهرين، وخالف الأمير علي بن الشويع [ فوصل من الجوف في عينه من أصحابه إلى علاف، والتقاهم بعض ثقات السيد هنالك، ثم انتقل من(3/198)


ساقين إلى الهجرة المقدسة ووقف بها والأمير علي بن الشويع] بعلاف، ثم حصل بين السيد والأمير محمد بن الناصر اتفاق بخطم فللة، ولم يحصل بينهما سداد، فرجع السيد إلى الهجرة، والأمير محمد إلى صعدة، وكان في اليوم الثالث من الإتفاق وجهز السيد المذكور محطة إلى حرف بني معاذ، وتقدم من الهجرة والتقى هو والأمير علي بن الشويع حول حرف بني معاذ، وتقدمت المحاط على صعدة، وخرج الأمير محمد بن الناصر [من صعدة]، فكان الحرب بين المذكورين حول الصحن ببئر القبة وكانت الدائرة فيه على الأمير محمد بن ناصر، وانهزم إلى الجوف، وتقدم السيد إلى صعدة [في] تلك الليلة، واستمرت مملكته بصعدة مدة ثمانية عشر سنة، وخرج إلى الجوف وحط على الزاهر، وعزم الأمير محمد بن ناصر منه الحصن المسمى بكبكها، وطلب الصلح بينه وبين السيد المذكور، فأصلحه، ورجع [السيد] إلى صعدة، وخرج مرة أخرى إلى الزاهر وأخرب الزاهر، وخرج مرة ثالثة أيضاً إليه، وأغار على السيد المطهر بن الإمام في مدته مرتين:(3/199)


الأولى منهما: إلى جبل رباب، وحصل بوصوله شد أزره للمطهر، والأخرى: إلى حوشان بعد حطاط الأتراك على كوكبان حصل بوصوله هو والأمير محمد بن ناصر موقع عظيم، وحصل الصلح بين المطهر والأتراك، ورجع إلى صعدة بعد الصلح، وضبط البلاد وساسها أحسن السياسة، وأقر له بالسبق أهل الرئاسة، وملك من المدن صعدة، ومن غيرها جهات خولان، وسائر الجهات المتصلة بها إلى جازان من أرض تهامة، وإلى الطلحة بجهات الشام، وإلى الظاهر من بلاد اليمن، ولم يزل أمره إلى ازدياد، حتى دعا الإمام الحسن بن علي- عليه السلام-، وحصل النقص في دولته، وسأذكر طرفاً من خبره في ذكر سيرة الإمام الحسن- عليه السلام-، إلى أن وجه إليه الباشا حسن الكيخيا سنان الذي هو الآن الباشا بأرض اليمن، فكان الوقعة المشهورة في بلاد آل عمار بالشرفة، وقتل فيها، وقبره بذلك المكان مشهور، وكانت الوقعة في يوم الأربعاء 8 شهر ذي القعدة من سنة إحدى وتسعين وتسعمائة [سنة]، واحتاز ولده السيد، الصدر الهمام: صلاح الدين صلاح بن أحمد بن الحسين، وعمه السيد: صلاح الدين المهدي بن عز الدين، وسائر محارمهم إلى حصنه الذي أسسه بالقرب من سودان من جهات يسنم المسمى: بأم ليلى، وهو من أحسن الحصون وأمنعها، وأما ولده السيد الصدر الضرغام: عز الدين محمد بن أحمد بن الحسين فتقدم إلى الإمام الحسن- عليه السلام-، وكان بعد ذلك مواجهة المذكورين بعد حصارهم بأم ليلى، واستسلامهم إلى يد الباشا سنان المذكور، وتقدمهم إلى صنعاء، ووصول السيد عز الدين محمد بن أحمد إلى هنالك.(3/200)

200 / 205
ع
En
A+
A-