الحسين وأشراف الجوف، ولما لم يطق الوزير سنان حرب المطهر، وأضَّرت به المطاولة مع كثرة الجنود الواسعة عالج في الصلح، ورجع إلى الروم، وولى على اليمن الباشا بهرام واستمر الصلح إلى أن مات المطهر، ومدة مملكته مستقلاً بالأمر خمس وعشرين سنة ونصف، وكانت وفاته بثلاء يوم الأحد في سادس شهر رجب سنة ثمانين وتسعمائة، وكان بعد وفاته من الأمور مالا يتسع لشرحها المسطور، {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[يس: 83] وهذا ما اتصل إلينا ذكره من شرح سيرة الإمام شرف الدين وولده [السيد] فخر الدين.(3/191)
[الإمام أحمد بن عز الدين ]
ولنذكر سيرة الإمام أحمد بن عز الدين-عليه السلام-:
قام الإمام ابن عز الدين قدوتنا.... عن رأيه فرماه الدهر بالغيرِ
وحين لم ير من أهل الزمان وفاء.... رأى التفرغ للطاعات في الهجرِ
المشار إليه بهذا الكلام هو: الإمام الهادي إلى الحق أمير المؤمنين: أحمد بن عز الدين ابن الناصر لدين الله أمير المؤمنين -عليهم صلوات رب العالمين-:
نسب علا فوق السماك مناره.... غطت على شمس الضحى أنواره
وتضاحكت أزهار روض كماله.... وعلا على أعلى الفخار فخاره(3/192)
فيالك من نسب أضوأ من الشمس المشرقة، ومحتد يحكي الأنوار المؤتلقة، وآباء أكارم أخيار، يستسقى بوجوههم الكريمة صيبات الأمطار، وينوِّه بذكرهم الركبان في البوادي والأمصار، نشأ عليه السلام منشأ الأئمة الأطهار، وتحلى بأحسن الخلال، واقتفى سيرة آبائه الأبرار، وكانت قراءته عليه السلام على مشائخ عدة، بالهجرة المقدسة وصعدة، ولما فاز من العلوم بالقدح المعلى، ونظم في سلك أهل الفخار الأعلى، وأشير إليه بأنه الأقدم بالإمامة والأولى، دعا إلى الله تعالى يوم الخميس أحد وعشرين من شهر صفر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة بالهجرة المقدسة، وبايعه من هناك من العلماء العاملين من أهل البيت وشيعتهم الأكرمين، وقال به الإمام شرف الدين كما قدمناه وشد أزره، وشرح صدره في القيام التام، وأنهضه بما يجب للإمام صنوه السيد المقام الهمام شرف الدين الحسين بن عز الدين، وكان قاضيه بالهجرة المقدسة، وسائر الجهات وجليسه ومؤازره ومعاضده [ومناصره ]: السيد المقام العلامة، القدوة، الصمصامة، صارم الدين: داود بن المهدي بن أمير المؤمنين، وهو أيضاً ممن حَدَقت إليه للقيام بالأمر الأعظم الأعين، ونطقت بفضله ومكارم أخلاقه وحسن شمائله الألسن، وكان داعيه إلى جهات اليمن كبلاد عذر والأهنوم والسودة، وتلك الجهات هو والفقيه الأفضل العلامة الأعمل، عز الدين: محمد [بن علي] بن عمر الضمدي التهامي، وهو أيضاً ممن بايع الإمام وقام بما يتوجه له أحسن القيام، وممن بايعه السيد الصدر، سامي القدر [والفخر] علامة أهل البيت الكرام، جمال [الملة و] الإسلام: الهادي بن المهدي بن(3/193)
الإمام، وسائر السادة الأعلام، والشيعة الكرام، واستقر في الهجرة المقدسة، وقرر جميع ما كان يعتاد فيها عن آبائه الكرام وسلفه -عليهم السلام-، وكان ينتقل من الهجرة إلى ساقين، وانساقت له جميع واجبات جهات خولان على الوفاء والتمام، وكذلك واجبات الجهات التي وجه إليها عماله كبلاد الأهنوم ونواحيها، وقبض عماله أيضاً الواجبات من ينبع وما يتصل به، وأقام دار ضرب بالهجرة المقدسة، وبعد مدة نهض إلى ظاهر بني حُبَيب، وطاف تلك الجهات، وفي خلال ذلك طلب منه الأمير ناصر بن أحمد الحمزي أن يعطيه شيئاً من الحب معلوماً رغم أنه يعتاده من بلاد خولان، فامتنع الإمام عن ذلك، ووصل من الظاهر إلى ساقين، وجهَّز محطتين:(3/194)
أحدهما: في جبل بني عوير، والأخرى في علاف، وجعل في الهجرة ولد أخيه السيد الصدر الصمصام، الهزبر الهصور الضرغام، شمس الدين: أحمد بن الحسين بن عز الدين فقصد محطته التي بعلاف صنو الأمير ناصر وهاس بن أحمد وولد الأمير [صالح]، فانهزمت محطة علاف، وتقدمت محطة الأمير ناصر إلى الحظائر، ووالده يومئذٍ بصعدة، وخذل الإمام خولان وغيرهم، فلما لم يجد الإمام ناصراً ارتحل بمحارمه إلى يسنم، وجمع جمعاً كثيراً وقصد الأمير ناصر، فكان بينه وبين الأمير ناصر وقعة في العينا من بلاد بني سويد [من جماعة]، لأنه لما علم [به] الأمير ناصر تقدم لحربه وهو يومئذٍ بساقين، ثم رجع الإمام بعد الوقعة إلى يسنم، وعرف عدم القدرة فارتحل إلى الحرجة، وأقام بها مدة يقيم بها الجمعة هناك، وسلم إليه أهل الشام واجباتهم، ثم إن السيد شمس الدين أحمد بن الحسين قدم إلى الباشا أزدمر وهو يومئذٍ بأبي عريش، وقدم إلى صنعاء وأقا بها ثلاث سنين، وطلب منه الإعانة، واستعان به على حرب الأشراف فجهز معه الأمير سكندر ومحطة من خواصه، وكانت طريقه من تهامة، ولما وصل [إلى] سوق الربوع، وقصده إلى هنالك الأميران: وهاس بن أحمد، وبدر بن ناصر، فاحتربوا هنالك، وكانت الدائرة على الأشراف، وكانت هزيمتهم إلى عَرْو وتقدم السيد المذكور إلى بين الحجابين، ثم إلى عَرْو، ثم تقدم إلى المشهد حاطاً على صعدة، وفي خلال ذلك وصل الباشا أزدمر من اليمن قاصداً لصعدة أيضاً فدخلها، والسيد المذكور والأمير سكندر في المشهد، وكان الحطاط عليها أياماً يسيرة وسلمت، وعزم الأمير ناصر إلى الجوف، وبقي الباشا(3/195)